فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 230

... ومن خلال النظر في هذه النصوص لهؤلاء الأئمة يتبين أن كراهيتهم للخوض في علم الكلام ليست مطلقة، ولكنها منصبة على تلك الآراء التي تعتمد على الأهواء ونشر العقائد الباطلة المشككة في عقيدة المسلمين والمناوئة للكتاب والسنة، والداعية للتعصب الأعمى للرأي ولو كان باطلًا، ويؤكد هذا قول الإمام ابن تيمية:"والسلف لم يذموا جنس الكلام، فإن كل آدمي يتكلم، ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله، والاستدلال بما بينه الله سبحانه ورسوله، بل ولا ذموا كلامًا هو حق، بل ذموا الكلام الباطل، وهو المخالف للكتاب والسنة، وهو المخالف للعقل أيضًا وهو الباطل". (1)

ويبدو أن تحذير السلف من علم الكلام راجع لأمرين:-

الأول:أن هذا الذم والتحذير موجه لمن يحاول دراسة علم الكلام ليشكك في أفكار ومعتقدات المسلمين، وقد وقع هذا بالفعل مع البعض كابن سينا وغيره ممن تتلمذ على كتب الفلاسفة وتبنى أفكارهم، وأخذ يدعو لها وينشرها بين المسلمين. فالذم الوارد يكون في حق هذه الصنف من الناس. ولكن إن كان المقصود من دراسة علم الكلام الرد على الملحدين والمبتدعين، ليكون الرد من جنس أفكارهم، ولتكون الحجة أقوى، فهذا جائز بشرط الالتزام بالكتاب والسنة.

الثاني: أن هذا الذم موجه للعامة من الناس ولمن يُخشى عليه انحراف العقيدة، وأما في حال التمكن وعدم الخوف من وقوع الشك بعد رسوخ العقيدة الصحيحة، فلا بأس من تعلم علم الكلام للرد على المعتقدات الفاسدة، والمناظرة والجدل في ضوء الكتاب والسنة.

(1) - الفرقان بين الحق والباطل: لابن تيمية، ص105، مجموع فتاوى ابن تيمية، 13/147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت