فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 230

ولقد حاول بعض من العلماء نقل العقيدة عن طريق علم الكلام والمنطق، بعد أن افتتنوا بها-وذلك كأبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ. وإمام الحرمين الجويني، وفخر الدين الرازي سنة المتوفى 606هـ وغيرهم، إلا أن التجربة كانت لديهم مرة، وكانت حصيلتها أن كادت تنزلق نفوسهم، وتضطرب تصوراتهم، مما اضطرهم أن يرجعوا عن الكلام أخيرًا.

-فقد كتب الغزالي رسالته التي أسماها (إلجام العوام عن علم الكلام) وقال:"فلم يكن الكلام في حقي كافيا ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا، وقال:الحق أن علم الكلام حرام إلا لشخصين". وفي كتابه المنقذ من الضلال يقول:"اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم، واضطرهم إلى تسليمها: إما التقليد، أو إجماع الأمة، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار. وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم. وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئًا أصلًا، فلم يكن الكلام في حقي كافيًا، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيًا. نعم، لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذبّ عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها. ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحق بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق؛ ولا أبعدُ أن يكون قد حصل ذلك لغيري! بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة، ولكن حصولًا مشوبًا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات!".

-وأما الجويني فكان يبعض أصابع الندم في أواخر سنين حياته لما فرط فيه في البحث عن الكلام، وكان يقول:"عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني".

-ويقول فخر الدين الرازي:

نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت