الصفحة 322 من 864

210 و كان-رضي اللّه عنه-حقق اللّه له ذلك، و أجاب دعاء الأستاذ فيه، قد انتفع به سائر الآفاق و تفقه به من لا يحصون كثرة، و أقبلت عليه الطلبة للأخذ عنه من كل وجه، و درس في الزاوية البكرية حتى استولى عليها السلطان الرشيد، و ثلّها-أي هدمها-عام تسعة [و سبعين] و ألف، فرحل لفاس و تصدر فيه للتدريس، و أقبل عليه الناس و ازدحموا عليه، و تخلف عنه بعض الحسدة، حتى إنه سحر الشيخ-رضي اللّه عنه-إذا جلس على كرسي تدريسه أخذه صداع شديد، و إذا قام زال عنه ذلك.

و كان-رضي اللّه عنه-بحرا في العلوم العقلية و المواهب اللدنية، /و الحكم الربانية، فهو سعد الدين التفتزاني و الجرجراني 1 لزمانه، بحيث يقبل و يرد من كلامهم. و سأله يوما سائل في درسه عن مسألة، فقال له: اسمع ما لم تسمعه من إنسان، و لا تجده محررا في ديوان، و لا تراه مسطرا ببنان، و إنما هو من مواهب الرحمن.

و لما تصدر للتفسير بجامع الأشراف 2 بمراكش مكث في تفسير الفاتحة قريبا من ثلاثة أشهر، يبدي في كل يوم أسلوبا [و تحريرات] عجيبة، فتعجب الناس لحسن إلقائه، و ليس ذلك من مطالعة كتب التفسير، بل ربما بات عند ضريح بعض الأولياء ما طالع كتابا و لا راجع كلاما، فيصبح و يلقي من العلوم ما يبهر العقول، و يحير الألباب و الأذهان، و فَضْلُ اَللّاهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشااءُ 3.

و بالجملة، فهو-رضي اللّه عنه-خاتمة العلماء و آخرهم، حتى قيل إنه المجدد على رأس هذه المائة، بعثه اللّه مجددا للدين، و ناصرا للإسلام. و قال فيه أبو سالم العياشي:

من فاته الحسن البصريّ يصحبه

فليصحب الحسن اليوسيّ يكفيه 4

قال: و كتب إليّ الإمام العلامة أبو عبد اللّه محمد بن سعيد السوسي بأبيات يذكر فيها أنه على عقد المحبة، و في آخرها:

م، ك‍: و تسعين.

س، ت: تحريات.

1)علي بن محمد الجرجراني الحنفي، عالم مشارك في أنواع العلوم، توفي 816 ه‍/ 1413 م. (انظر: معجم كحالة: 7/ 216، بغية الوعاة: 351، هدية العارفين: 728) .

2)أنشأه الغالب باللّه السعدي بحومة المواسين سنة 970 ه‍/ 1563 م. (انظر: الاستقصا: 5/ 39، الحركة الفكرية: 376) .

3)الحديد: 21.

4)من البسيط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت