الصفحة 325 من 864

213 من ذلك أني كنت قدمت بلدنا مرة من السفر، فرأيت أن إمام المسجد يتساهل في ما لزمه من تعليم الصبيان و غيره، و هو من أشياخنا قبل 1، و كان من الصالحين لا قدح فيه، فسولت لي نفسي أن أجمع خلفه جمعا صوريا، فكنت أنوي صلاة منفرد، أكبّر إذا كبّر، و أركع إذا ركع، و أسجد إذا سجد، و أسلّم إذا/سلّم، و أقرأ سرا، و آتي بجميع أركانها على صورة المقتدي، فبعثت إلي من الغد فقالت: إن والدتك تقرئك السلام، و تقول لك: صل بالإمام، و أحسن ظنك به، و لا تفرد صلاتك.

و من ذلك أيضا أني قدمت البلد مرة [أخرى] من السفر و في البلد فقراء 2 شيوخ كبار السن، يأتون المسجد خارج البلد بعيد عنه وقت الضحى، يقيلون و ينتظرون وقت الصلاة، فكنت آتيهم و أسرد لهم بعض صفات الجنة و أهلها و نعيمها منالعلوم الفاخرة 3 للإمام الثعالبي، فيفرحون بذلك فرحا شديدا، و إذا أبطأت عنهم تأسفوا، فبعثت إلي أيضا تقول: إن والدتك تقرئك السلام، و تقول لك كذلك: افعل و لازم و داوم على ذلك العمل، و فرح الناس، و بشرهم بنعيم ربهم، و حبب إليهم ربهم و نعيمه و كرمه.

و كان أولئك الفقراء إذا سمعوا أوصاف الجنة و ما أكرمهم اللّه به من أنواع نعيمه، طربوا و نشطوا و فرحوا فرحا شديدا، كادوا يطيرون بحب ربهم و كرمه، و يحملهم ذلك على زيادة الخدمة و التقرب إلى اللّه تعالى، و ذلك مصدوق قوله صلى اللّه عليه و سلم:

«يسروا و لا تعسروا، و بشروا و لا تنفروا» 4، إلى غير ذلك مما يطول سرده.

و كانت-رضي اللّه عنها-معتنية بنا، ربما ترعى و تنظر في أمورنا، و ترانا حيثما كنا في بلاد الأرض بعيدة أو قريبة. و قد كنت في سفرنا لبلاد المشرق لما أشرفنا على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة و أزكى السلام، راكبا على ناقة فتذكرت قول ساقط من ك‍و ح.

1)يقصد به عبد اللّه بن إبراهيم الكرسيفي، و عنه أخذ الحضيكي المبادئ الأولى للقراءة و الكتابة. (انظر: الحضيكيون: 1، رجالات: 71) .

2)أشخاص ينتمون إلى كل الطرق الصوفية الموجودة آنذاك، و كانوا يتجولون في المنطقة جماعات لزيارة الزوايا و الرباطات، كما يجتمعون في مواسم و مواضع للعبادة و الإرشاد، و ذلك حسب جدول زمني معلوم لديهم.

3)عنوانه الكامل: العلوم الفاخرة في النظر في أمور الآخرة، لعبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، طبع بمصر، المطبعة الحميدية، 1317 ه‍، في 175 صفحة.

4)رواه البخاري و مسلم و النسائي و أحمد في مسنده. (صحيح مسلم: 3/ 1358) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت