الصفحة 348 من 864

236 و يقول رضي اللّه عنه: العالم حقا من يستشكل الواضح، و يوضح المشكل لسعة علمه و تحقيقه. و كان-رضي اللّه عنه-طويل الحزن كثير الخوف، و لشدة خوفه يسمع لصدره أنين و هو مستغرق في الذكر، [لا يشعر] من معه مع تواضع و حسن خلق ورقة قلب، رحيما و هيّنا لينا، يقبل على من لقيه و يتبسم مع حسن كلام، يتزاحم الأطفال على تقبيل أطرافه، يوقر الكبير و يتواضع للضعفاء، و أشفق الناس على الخلق، و يشفع لهم عند السلطان، و يصبر على أذاهم، معظما مهابا في القلوب، ارتحل إليه الناس و تبركوا به.

و كان-رضي اللّه عنه-في آخر عمره يقول: من الغريب النادر في زماننا وجود عالم جمع له علم الباطن و الظاهر على أكمل وجه، ينتفع به في العالمين، فهو كنز عظيم دنيا و دينا، فمن وجده فليشد عليه يده لئلا يضيع عن قرب فلا يجد مثله.

قال تلميذه 1: كأنه كاشفنا بذلك مشيرا به لنفسه، فلم يلبث بعد حتى مات، و لا شك أنه لا يوجد/مثله أبدا. فأما مراتبه في الزهد و الورع و الدين و التحقيق فمعلومة عند الخلق. بعث إليه السلطان في أخذ غلات مدرسة الولي الحسن أبركان فأبى، و ألحوا عليه فاعتذر.

و كان-رضي اللّه عنه-يقول: حقيقة الولي العارف من لو كوشف عن الجنة و حورها، ما التفت إليها و لا ركن لغيره تعالى. و كان-رضي اللّه عنه-إذا وعظ اقشعرت من وعظه الجلود، كل من حضره يقول: معي يتكلم، يعظ كلا بحسب حاله، جل و عظم في الخوف و المراقبة، و ما رئي قط إلا و شفتاه متحركة بالذكر.

و كان-رضي اللّه عنه-يقول: حقيقة العبودية امتثال الأمر و النهي مع كمال الذلة و الخضوع. و كان-رضي اللّه عنه-يبغض الاجتماع بأهل الدنيا و النظر إليهم و قربهم.

خرج يوما معنا للصحراء فرأى فرسانا بثياب فاخرة على بعد، فقال: من هؤلاء؟ قلنا: خواص السلطان، فتعوذ و رجع لطريق آخر. و لقيهم مرة أخرى، و ما تمكن من الرجوع، فجعل وجهه للحائط و غطاه حتى جازوا و لم يروه.

في ت: لا يشق.

1)يقصد به: محمد بن عمر بن إبراهيم التلمساني المعروف بالملالي (كان على قيد الحياة عام 897 ه‍/ 1492 م) ، ألف في ترجمة السنوسي كتابه: المواهب القدوسية في المناقب السنوسية، منها عدة نسخ مخطوطة بالخزانات المغربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت