فهرس الكتاب
237 و لما أراد ختم التفسير عزم على قراءة سورة الإخلاص و المعوذتين يوما، فسمع به الوزير و أراد حضور الختم، فبلغه ذلك، فقرأ السورة كلها [خوف] حضوره. و طلبه السلطان في الطلوع لإقراء التفسير على العادة فأبى، فألح عليه فاعتذر بأنه لا يقدر على التكلم هناك لغلبة الحياء، فأيسوا منه.
و إذا سمع بوليمة أبناء أهل الدنيا اختفى له عنها أياما، فلا يظهر حتى تمر أيامها، و لا يقبل عطيتهم، و إذا قبلها أهل بيته و هو غائب تغير كثيرا إذا حضر، و يقبل من غيرهم و يدعو لهم، و كانوا يتطارحون عليه مع رفع همته عنهم.
أتى إليه ولد السلطان و معه عبد يقبل يديه و رجليه، و طلب منه قبوله، فأبى و تبسم و دعا له، فلما أبى منه طلب منه التصدق به على الفقراء فأبى.
و كان-رضي اللّه عنه-يكره الكتب للأمراء، فإذا طولب بذلك كتب لهم حياء، / و عاتبه أخوه التالوتي قال: لا تكتب لهم، فقال: كلفت به، و غلبني الحياء، فقال: لا تستحي من أحد، فقال: إذا دخل أحد النار بالحياء دخلتها.
و من رفع همته أنه لا يأنس بأحد و لا يتسبب في معرفته.
و يقول-رضي اللّه عنه-لو أصبت ما نرى أحدا و لا يراني، بل أشتغل بنفسي و لا حاجة لي بهم و ما يأتيني من قبل الناس.
و كان-رضي اللّه عنه-مع ذلك حليما صبورا، يسمع ما يكره، و لا يبالي به بل يتبسم، و لا يحقد على أحد، و لا ينبس إلا بطيب الكلام لمن يؤذيه حتى يظن أنه صديقه، وقع له ذلك مع من يدعي أنه أعلم أهل الأرض ينصحه فما بالى به.
و لما ألف بعض عقائده أنكره كثير من علماء وقته، و تكلموا بما لا يليق، فكثر تغيره بذلك، ثم رأى في منامه عمر بن الخطاب-رضي اللّه عنه-واقفا على رأسه يهدده على الخوف من الناس، فأصبح و قد زال حزنه و قوي على المنكرين، فخرسوا من حينئذ، ثم أقروا بفضله.
و كان-رضي اللّه عنه-من أشفق الناس على خلق اللّه. و مر يوما بذئب تجري معه كلاب فحبس و ذبح، فلما رآه ملقى على الأرض بكى، و قال: لا إله إلا اللّه، أين الروح التي تجري بها؟ و يقول رضي اللّه عنه: ينبغي للإنسان أن يرفق في مشيه و ينظر أمامه لئلا يقتل دابة في الأرض. و يقول لمن يراه يعاقب دابة: ارفق بها يا مبارك.
في س، ح: خيفة.