فهرس الكتاب
566 [442] تولى القضاء بمدينة شفشاون في أيام الأمير أبي الحسن علي بن راشد 1، /فبينما هو جالس معه يوما إذا بيهودي أقبل و أخذ بيد الأمير و قبلها، فقال القاضي ابن ميمون: إنا للّه و إنا إليه راجعون، نحن نقبل يدا تقبلها اليهود، فأزعجته العناية الربانية بسبب ذلك إلى حضرة فاس، و كان قد أخذ عن علمائها و لقي مشايخها، و برع في فنون كثيرة من العلوم مثل الفقه و اللغة العربية و غير ذلك، حسبما نبه في رسالته التي بعث بها إلى أبناء مشايخه من علماء فاس، كأبي محمد عبد الواحد بن أحمد الونشريسي، و أبي محمد عبد الوهاب الزقاق و غيرهما، و هي مشهورة بأيدي الناس.
ثم سمت همته إلى منازل الأفراد فاعتكف بجامع القرويين و آلى على نفسه أن لا يخرج منه حتى يريه اللّه وليا من أوليائه، فأقام هناك مدة وقعد يوما إلى سارية يتلوالقرآن بصوت حسن وحده، و قد غلقت أبواب المسجد قبل الزوال و ليس به أحد غيره، فبينما هو كذلك إذ سمع بكاء و أنينا خلفه، فالتفت فإذا ببصير، فعلم أنه من الأولياء، فقال البصير: قم انظر هل في المسجد أحد و عرفني بكم فيه من الناس، فنظر أبو الحسن فلم يجد فيه أحدا، فرجع إليه فقال له: ما في المسجد أحد سوى أنا و أنت، فقال له البصير: ما في هذه البلاد من الأولياء سوى أنا و أنت، فقال له أبو الحسن: سألتك باللّه هل تعلم أين هو الآن شيخ التربية؟ فقال البصير: هو الآن ببلاد الجريد 2، فعليك به. قال: فخرجت أطلبه، و كنت أسمع بصيت رجل من مسيرة شهر أو شهرين، فإذا أتيته لم أجد عنده حاجتي حتى وصلت إلى شيخ التربية فلم أجد صيته يتعدى باب داره، فأقام عنده أربعة أشهر و انصرف إلى بلاد المشرق و قد طبقت علومه الآفاق.
قال أبو البقاء: خرج عليه شيخه ذلك يوما و بيده كتاب فيهرسالة القشيريينظر فيه، فقال له الشيخ: اطرح كتابك و احفر في أرض نفسك يخرج لك ينبوع، و إلا فاذهب عني، فطرح أبو الحسن كتابه و أقبل على الفكرة و طريق المحاسبة حتى كان من أمره ما [443] كان. /و لما قدم إلى بلاد المشرق و انتشرت علومه و دعا الناس إلى الحق، فهدى اللّه به خلقا كثيرا، و ألف كتبا كثيرة نافعة 3. و أنكر على المشارقة جميع ما أحدثوه من البدع، و أحيا
1)علي بن موسى بن راشد الشريف (877 - 917 ه/ 1473 - 1511 م) ، و هو الذي أتم بناء مدينة شفشاون بعدوة وادي شفشاون. (انظر الاستقصا: 4/ 121) .
2)إقليم شاسع من الواحات، يقع إلى الوسط الجنوبي من تونس. (انظر: وصف إفريقيا: 2/ 142) .
3)منها: رسالة الإخوان من أهل الفقه و حملة القرآن (م. خ. ع. رقم: 1780) ، وفرائض ابن ميمونمخطوط خ. المحجوبية رقم: 876.