الصفحة 715 من 864

601 [459] فلما حان بلوغه/و هو مازال في المكتب، أشرق باطنه بنور التوحيد، و ارتدى بأحوال القوم، و اضمحل عنه غير ذلك، و انخرط في سلك الشيخ المجذوب، و كان أول شيء فاجأه أنه يقرأ في المكتب، فكتب في أوجه: وَ مَنْ يُهااجِرْ فِي سَبِيلِ اَللّاهِ يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُرااغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً 1 إلى آخره.

ثم ذهب و رجع فلم يجد في نفسه متسعا لقراءة و لا غيرها إلا لزيارة سيدي عبد الرحمن المجذوب، و لم ير في اللوح إلا ذلك، قيل: إنه رآه فيه مكتوبا بالنور، فسأل بعض جيرانه عنه، فإذا بصاحبه سيدي محمد بن علي النيار الأندلسي، فقال له: يا بني، ذلك شيخنا، و نحن ننتظره يأتينا قريبا، و نبيت معه عند فلان. فقال له: كلم والدي في شأني لأبيت معكم، فكلمه فأذن له، فبات معهم و جلس بمعزل عن الناس لصغره، ثم أتاه بعد هدوء من الليل، و جعل يده على رأسه، و يدعو: جعل اللّه لنا فيك البركة و يكررها، ثم جاء ليلة ثانية بزاوية سيدي محمد الصباغ 2. ثم لازمه، و صحبه، و خدمه، و هو مع ذلك على قراءته لم يتركها قط.

فلما قرأ على أهل بلده سافر به والده إلى فاس، فقرأ على مشايخها، فحصل و استوفى مما عندهم في يسير من الزمان، ذالِكَ فَضْلُ اَللّاهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشااءُ 3. ثم رجع إلى القصر بعلوم غزيرة، فانتفع به الخاص و العام، و ظهرت بركته في الناس كبيرهم و صغيرهم، ذكورهم و إناثهم، لكون علمه نورانيا ربانيا.

و تخرج به كثير من الخلق، و استقل برياسة العلم و الدين، إماما متبوعا مسموعا، و هو في خدمة شيخه، ثم رفع اللّه همته و جذبه إليه، و شغله به عما سواه، ثم طمس وجوده [و أخفاه] عن شهوده، و شيخه في ذلك يربيه بالحال، و يرقيه في مدارج الكمال.

و كان يمتحنه كثيرا، و يلقي عليه من أنواع المشاق ما لا يوصف، و لا يقف له إلا من أيده اللّه تعالى يهذبه بذلك، لاعتنائه به أكثر من غيره، و صاحب الترجمة يثبت و يحمل كلما ألقي عليه لا يضعف.

ت، س، ن: و أفناه.

1)النساء: 100.

2)توجد بالقطانين، حي من أحياء القصر الكبير.

3)الحديد: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت