فهرس الكتاب
603 فركب و دخل القصر عازما على بيع الدار، فلقيه بعض المحبين، فأعطاه الدراهم، فرجع بها من حينه، فلما تراءى للشيخ يقول لهم: هذا سيدي يوسف جاء، هذا سيدي يوسف جاء! فقال له: و هل جئت بها؟ فقال: نعم يا سيدي، فقال له: كذلك يبتليك اللّه، ثم يتوب عنك. ثم قال له: إنا جعلنا لك دارك بفاس. قال: فاستعظمت سكنى فاس لكثرة مطالبها، و صعوبة معاشها، أقول ذلك في نفسي فقط. فقال لي: و لا تحطب لك الرياح.
ثم بسطت عليه الدنيا من يومئذ، و ظهرت عليه في حياة شيخه بركته، و أشرقت فيه أنوار المعارف و التمكن في منازل المقربين، و كانت مدة صحبته له تزيد على عشرين سنة، و شيخه مع ذلك ينوه باسمه، و يعرف بشأنه، و يقول فيه كثيرا مصباح الأمة. و يقول فيه:
إنه يكون إمام العارفين، و إمام العلمين: الظاهر و الباطن. و يقول: إنه لا بد أن يكون في مقام الغزالي. و يقول فيه: لا يوجد مثله و لو فتش ما عسى أن يفتش. و يقول: إنه كالملح لا يستغني عنه أحد.
و يقول: من أحب أن ينظر قلبي فلينظر إلى ابن الفاسي، يشير إلى أنه نسخة منه كقول الشاذلي للمرسي رضي اللّه عنهما: ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا، و أنا أنت 1.
و دعا له فقال: اللّه يجعل منك الزرع و الزريعة، فالزرع أنت و الزريعة أولادك، يشير إلى أنه وارثه، و أن طريقته عنه تؤخذ، و منه تنتشر و تمتد، و اللّه أعلم.
و كان يوصي أصحابه به، و يحضهم عليه، و يشير لهم إليه، و يحذرهم أن يتخذوا غيره [472] بعده، و يقول لهم إنه سيعلو قدره شرقا و غربا، ثم قال في آخر أمره: سيدي يوسف، / كنت أنا شيخه، و اليوم هو شيخي.
و لما مرض مرض موته جمع أصحابه و أوصاهم به، و ذكر لهم الأوصاف و الخصال التي يجمعها الرجل الكامل. و أوصى أولاده به أيضا، و يحضهم على محبته، و كان خلف تسعة رجال أو عشرة. و كان يقول في ولده الأكبر محمد: عندي منه ثلاثة، ولدي و أخي و صاحبي.
و كان أبو المحاسن-في خلال صحبته أبا محمد-يلقي مشايخ الطرق، و يأخذ
1)أي الحلول و الاتحاد و الاندماج. (معجم ألفاظ الصوفية: 56) .