والجدير بالملاحظة أن الفقيه محمد بن القاسم بن داود السلوي لم ينهج في تلقين"هذه التعاليم"نهجا منطقيا برهانيا، وإنما اعتمد أساسا على الجانب الوجداني، لكن ربطه بين معطيات العلم والتربية والسلوك، وحديثه عن تماسك الجماعة، ورقيها وأخذها بالأسباب يجعل كتابه هذا بمثابة بيان فكري وأخلاقي لا يخفى على ذوي النباهة أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية .. فهو يدعو إلى الالتحام الاجتماعي والتواصل التلقائي بما يحقق الوحدة ويطبع الوجود الإنساني والاجتماع البشري بالمودة والإخاء ومكارم الأخلاق ... ثم إن الرجل كان على وعي تام بأن العلاقة بين إنسان الأمة والقرآن الحكيم مسألة وجودية، وأن التبصر بآيات الذكر الحكيم يتم بمنطق جدلي يكون الاستيعاب فيه محصلة علاقة دائمة بين الأمة والقرآن بمنطق كوني؛ من هنا جاءت أدعيته ملامسة لمجمل الحقائق والقضايا الإنسانية والاجتماعية، وهو ما يضفي على الأدعية طابعا كونيا وينزهها عما علق بها من تسطيح أحالها إلى مجرد عبارات عاطفية مألوفة على ألسنة الناس، وأعتقد أن رؤية صاحبنا السلوي لمفهوم الدعاء تستحق التوقف والتأمل والاقتداء ..
وبعد، فتعريفنا بهذا العالم السلوي وكتابه"ملابس الأنوار ومظاهر الأسرار"يندرج ضمن الإسهام في التعريف بالحركة الفكرية بالمغرب إبان العصر المريني، وهو عصر ازدهر فيه التأليف الصوفي في إبعاده التربوية والفلسفية، وهو أيضا عصر تلاقح فيه العنصر المغربي بالعنصر الأندلسي بشكل وثيق، زاده التهديد الخارجي تماسكا وتبلورا، وقد كان ذلك مبعثا لنهضة شاملة في المغرب أدت إلى تنمية مراكز التلقين في