وطوال حياته الفنية، كان الحاج بلعيد ينزل على هؤلاء"رايسا"موهوبا، وفنانا محبوبا، يكرمون وفادته، ويخصصون له مكانا خاصا لمجموعته مع كامل التقدير والاحترام. على عكس غيره من الروايس الذين يتجولون في الأسواق والمداشر والقبائل، هائمين على وجوههم.
وقد كان تفوق الحاج بلعيد بارزا على معاصريه من الروايس الذين سبقوه إلى التسجيل ما بين 1930 و1936 أمثال: بيهي ابن بوعزة، ومحمد بودراع التازروالتي، وأحمد بن سعيد، ومحمد بن الحسن، ومحمد بن يهي، ومبارك بن محمد، ومولاي علي الشحيفة، وبوبكر أزعري وغيرهم، وذلك لانفراده بخصائص لم يشاركه فيها إلا قليلا منهم، أمثال عبد النبي التناني، ومبارك بولحسن، وبوبكر أنشاد، والرايس بوجمعة الراسلوادي، في براعة العزف، والصوت الرائق الجميل، وحسن الإلقاء، وحذق التلوين اللحني، نفيا للرتابة الطاغية عند كثير غيرهم.
وشاءت ظروف التنقل والترحال أن يربط علاقته بكثير من ذوي النفوذ والمال والوجاهة والعلم والصلاح، فكان فنانهم ومؤنسهم المفضل، لحسن أخلاقه ونباهته وقوة شخصيته الفنية وإبداعاته المؤثرة الرائعة، في ظرف لم يقتصر فيه دور الروايس على الإنشاد والغناء والتطريب والإمتاع فحسب، بل كانوا أداة لنشر المحاسن والمفاخر، وأبواقا لنشر محامد الناس والكرماء منهم على وجه الخصوص، وبث محاسن البلدان، ونقل الأخبار، والألحان والاشعار، والمعلومات من مكان ومن منطقة إلى أخرى.
وفي هذا الإطار الاجتماعي والاقتصادي، كان الحاج بلعيد يتنسم أنسام تلك الآفاق، وينبض قلبه الخفاق، وتمتلئ بمشاهدها الأصداء ... فيضج الرباب، ويصدح لسانه بالغناء، راسما المشاعر والأحاسيس التي تنتابه في