3/ تختلف قصائد الديوان من حيث طريقة الكتابة. فبعضها عبارة عن مقاطع شعرية متضامة ومتسلسلة، وأخرى مقاطع متفرقة. وهي كذلك قصائد طويلة ذات نفس درامي، وقصائد قصيرة ذات بعد مشهدي وأخرى ذات ملمح حكمي. وهذا الاستخلاص نابع من العلاقة بين الصيغة الخارجية للكتابة والمعنى الثاوي في القصيدة. فالشكل الخارجي"الإيقوني"له تأثيره على المعنى، وقد أبدع الشاعر المغربي كثيرا من الأشكال والصيغ الخارجية في فترة متقدمة عرفت فيها الكتابة بالبصرية وجمالية العين قبل الأذن"الإلقاء"الذي كان ملمحا بارزا في القصائد التقليدية والحماسية. وتعرف هذه الظاهرة بالقصيدة الكاليغرافية. التي أبدع فيها كيوم أبولينير، وكثيرون جاؤوا بعده من غربيين وعربا.
4/ لكن القصيدة الدرامية الطويلة النفس هي التي تجد صداها في نفس الشاعر جمال خيري. ولذلك طبعا دلالته. فالشاعر المهاجر الذي وجد نفسه مضطرا للرحيل عن وطنه يشعر بنوع من الضيم، لأن وطنه أولى بمجهوده وبطاقته. لذلك فدرجة الإحساس تجاه الوطن تكون عالية عند الشعراء في المهجر. ويتعامل الشاعر مع الوطن بكثير من الحدة والقسوة. ويحمله المسؤولية في هجرته ومغادرته لأهله وذكرياته أصدقائه ومراحل لعبه وصباه. ويتجلى ذلك العنف على مستويات مختلفة منها اللغة والموقف. ويكفي الإشارة إلى قصيدة"الشارع والنخلة". فكيف تعامل الشاعر مع الشارع؟ وهو يختزل حالة من حالات الوطن. يتذكر أولا الشاعر الشارع في بداياته عندما كان مجرد مسرب ضيق تحف جوانبه أشجار القصب، ثم