فهرس الكتاب

الصفحة 11337 من 29568

وكأنَّ الرَّجُلَ أخذ فيما أخذ عن الاستعمار طريقة التوسع، وكأنَّه أصغَرَ المغربَ - على سَعَته - أن يكون مجالا لألاعيبه ومكايده، فجاوز في هذه المرة الحدود، وتخطّى الأخدود، واندفع إلى الجزائر و تونس ليبث فيهما سمومه، ويتخذ منهما ملعبا جديدا لرواياته التي منها مؤتمر الزوايا بالجزائر، وليقوم للحكومة بما عجزت عنه من استئلاف النافر، واستِنْزال العاقّ، وليوحِّد بين الأقطار الثلاثة ولكن بالتفريق، وليُنقِذَها من البحر ولكن بالتغريق.

كان عبدُ الحيّ فيما مضى يزور هذا الوطن داعيا لنفسه أو مدعوًّا من أصدقائه، وهم طائفة مخصوصة، فَكُنَّا نولِّيهِ ما تولَّى. ولا نأبه به؛ وكانت تبلغنا عنه هنَات كاختصاصه بالجهال وهو عالم، وانتصاره للطرقية وهو محدّث؛ إلى هنات كلها تمس شرف العلم وكرامة العالم، فكنا نُحَمّلُهُ ما تحمَّلَ ولا نبالي به؛ وكان يزور لماما، ويقيم أياما، ولكنه - في هذه المرة - جاء ليتمّم خُطَّة، ودخل الباب ولم يقل حِطَّة؛ وصاغ في الجزائر حلقات من تلك السّلسلة التي بدأ صنعَها في المغرب؛ ودلَّتْنا على ذلك شواهد الأفعال والأقوال والملابسات والظروف؛ ثم زار تونس ليؤلّف فيها (تكميل التقييد) (2) ، وكأنه يتحدى بهذه الرّحلة الطويلة رحلةَ أبي الحسن المريني (3) . وشتان بين الرحلتين. تلك كانت لتوسيع الممالك؛ وهذه كانت لتوزيع المهالك؛ ويا ويحَ الجزائر المسكينة، كأن لم تكفها الفتن المتماحلة حتى تُزاد عليها فتنة اسمها (مؤتمر الزوايا) ، ولم تَكْفِها النَّكَبَاتُ المتوالية حتى تضاف إليها نكبة اسمها"عبد الحي".

إن في رحلة عبد الحي هذه لآيات؛ منها أن الحكومة أحستْ بإعراض من رجال الزّوايا، وانصراف عما تريده منهم بطرقها القديمة، فأرادت أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت