كذلك في إقباله على الحديث والأصول والنحو وكل ما يحتاجه العالم المجتهد لتكتمل لديه عدة الفتيا، كما ينهل من مشايخ التصوف ما اصطلح عليه بعلم الحقيقة، وتمازج تلك المعارف جميعها ولا شك أضفى على اليوسي جاذبية خاصة ما زالت تشغل بال الباحثين إلى اليوم وتجذبهم إلى حدائق معرفته الغنية التي لا يغادرها زائر دون أن يظفر ببغيته.
ولد الحسن بن مسعود بن محمد اليوسي عام 1040ه بملوية العليا من بلاد فزاز، فهو ابن البادية تربية ونشأة، ولم يكن والده ممن أوتوا من العلم نصيبا ولا والدته ولكنهما متدينان يجلان أهل العلم والصلحاء وغالبية هذه العينة من الناس تضع العالم الفقيه مثلا أعلى لأبنائها وتجد في رؤية أولئك الأبناء يسيرون على خطى ذلك العالم القدوة منتهى غاياتها وما زال هذا دأب والد اليوسي، ولكن اليوسي رأى لنفسه سبيلا آخر غير السبيل الذي ارتضاه له والده فكان يختلف إلى الشيخ إبراهيم بن يوسف الحداد فيكمن في الطريق، فإذا خرج الصبيان من عند شيخهم عاد هو إلى أهله ليوهمهم بأنه قضى سحابة يومه في طلب العلم وظل على هذا الحال ردحا من الزمن إلى أن ماتت والدته فصار لحياته طعم آخر، ذاق مرارة اليتم وأصبحت دنياه عرِيَّة عن معاني العطف والحنان، فلم يجد من الدرس بدّا، فيه يدفن حزنه وحنينه إلى الأم الغائبة، وقد ألمح إلى ذلك في فهرسته وساق نموذج سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) للدلالة على أثر اليتم في شحذ همة الإنسان، وأعظِم بها من همة تلك التي دفعت بصاحبنا اليوسي إلى تجشم عناء السفر والرحلة منذ الصبا في سبيل العلم، فعلى غير عادة الطلبة في عصره التمس اليوسي سبيله في الجنوب عجبا فألقت إليه بلاد الجنوب بكنوزها المخبوءة وجادت عليه بدرها المكنون،