البارون دي سلان قرونا عديدة بعد وفاة الإدريسي وأن تستفيد منه النهضة الأوروبية أيما استفادة، إن النزهة يقدم معطيات أفاد منها كولومب نفسه في رحلته نحو بحر الظلمات وقد ترجمت إلى اللاتينية والإسبانية والألمانية والروسية والفرنسية لاحقا.
وذكر فيها الإدريسي رحلة مجموعة من عرب لشبونة نحو بحر الظلمات وهم من سماهم بالمغررين، لكن رحلة المغررين وإن لم تعد بشيء يذكر فقد لفتت انتباه العالم إلى تلك الأرض المجهولة خلف ذلك البحر، ولم يكن حظ المغررين من رحلتهم العظيمة تلك أفضل من حظ عباس بن فرناس الذي وهب حياته في سبيل تحقيق أمل البشرية في الطيران فنسب الفضل للأخوين رايت وأسدل ستار الإهمال على عباس.
كان لكتاب «النزهة» أثر الحجر في البركة الراكدة، إذ خلخل المعتقد السائد بانبساط الأرض وأسس لعلوم جغرافية لم تكن معهودة في عصره كالجغرافية البشرية والجغرافية التجارية، وحسب الإدريسي أن يقدم للبشرية كتابا ككتاب النزهة فلو حاكمناه إلى المستوى الذي بلغته الجغرافية في عصره لأحنينا رؤوسنا إجلالا وإكبارا لقدره ومن الجور أن ننتقد «النزهة» على ضوء ما وصلت إليه العلوم بعد وفاته بقرون فليس ذلك من الإنصاف في شيء.
بعد وفاة روجر لبث الإدريسي إلى جوار ابنه غاليوم ردحا من الزمن ألف فيه «روض الأنس ونزهة النفس» بيد أن الحنين شده إلى موطنه فيمم شطر سبتة بعيد وفاة صاحبه بقليل، وبسبتة أسلم الروح لباريها عام 560ه وكما غيبه الثرى ميتا وغيبته الغربة حيا، غيب التاريخ ذكره وأهمل المؤرخون سيرته فلم يصلنا عن حياته غير النزر اليسير، مما دون معظمه