الذي يحبذه الشعراء لإبلاغ أصداء تجاربهم الذاتية ومعاناتهم الفردية إزاء ذلك المخاطب المقدس والأسمى: الرسول صلى الله عليه وسلم.
لذلك"فالمديح النبوي"شعر ذو أبعاد متعددة، يتداخل فيها الذاتي بالجماعي، والدنيوي بالديني والمقدس ...
والمديح النبوي أكبر من الرثاء في عرف الأدباء وشريعة النقاد، نظرا للموقع المتميز الذي يشغله الرسول صلى الله عليه وسلم في القلوب والأذهان ولأرواح ... وقد ميزوا بين الرثاء والمدح في شأنه صلى الله عليه وسلم:"... ليفرقوا بين حالين من الثناء، ما كان في حياة الرسول، وما كان بعد موته، بخلاف ما يقع من شاعر ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ثناءه عليه مديح لا رثاء ... لأن الرثاء يقصد به إعلان التحزن والتفجع، على حين لا يراد بالمدائح النبوية إلا التقرب إلى الله، بنشر محاسن الدين والثناء على شمائل الرسول" (1) .
ويمكن القول بأن المديح النبوي لشدة انجذاب الشعراء والأدباء إليه، أضحى غرضا، عرف تسلسلا متطورا في حلقات تبلوره، واكتمال وشائجه الفنية ... فقد عرف الإرهاصات الأولية منذ أشعار حسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة، وكثير من شعراء الشيعة، الذين تطرقوا لذكر خصال الرسول الكريم، وسني أخلاقه، وسيرته الطيبة، في سياق مدحهم لآل بيته الطاهرين الكرام (2) ، وهذه كلها عناصر خصبة أفادت هذا الغرض فنا وتعبيرا وأداء، حتى:"... وجد صيغته المكتملة حين احتك بالتصوف، بعد أن ازدهر هذا الأخير، وانتشرت مذاهبه وطرقه" (3) .