ومعنى هذا كله، أن شعراء الحب الإلهي أو المديح النبوي، أو حتى الشريفي والولوي في المغرب، إنما كانوا وجدوا أمامهم تراثا روحيا هائلا نابضا بالحياة والعمق؛ وقد حاولوا السير في ركابه، لفظا وصورة وتراكيب وأوزانا ... إن لم نقل إن البعض قد حاول فعلا التفوق على بعض نماذج هذا التراث ... ونعتقد أن الحلبي يندرج في هذا الإطار.
إلا أن هذا الحكم لا ينفي ما اتسمت به كثير من قصائد المديح النبوي في مجالي الألفاظ والمعاني، فهو شعر يختلف قوة، وضعفا وجودة ورداءة:"حين يصدر عن أدباء مبدعين، أو حين يصدر عن فقهاء ناظمين، ولكنه أبدا نابض بالحياة وبالصدق، وبغزارة العاطفة الدينية وحرارتها" (28) .
ومن المؤكد أن هذه الأوراق لا تستطيع الإلمام بكل ظواهر الشعر النبوي الفنية فضلا عن ظواهر الشعر الإلهي والولوي والذاتي والوجداني الذي خلفه الحلبي ... وإنما كانت غايتنا أن نثير الانتباه، ونجدده إلى أهمية شعر هذا الرجل؛ فنحن نعتقد أن دراسة عطاءاته الشعرية والنثرية، كفيلة بإغناء التصور الأدبي المغربي، في وجهه الروحي الباطني أو القدسي، ونثير بالتالي الانتباه إلى أهمية المغرب في إبداع هذا اللون الشعري ..
فهل كان لمدينة فاس سحر خاص وانجذاب أخص، دفعا بالحلبي إلى التزام بهذا اللون الشعري: المديح الإلهي والنبوي؟
أم أن"الحلبيات"لم تفعل أكثر من تزكية واقع فني وأدبي قائم وقتذاك؟
وهذه قضية أخرى تستوجب وقفة خاصة.