-ومنها: كنت يوما مع القاضي أبي عبد الله بن هدية (18) في جنازة فذكر غلظة أهل أجادير وقبح غلوهم في الفخر، فحدث أن رجلا كان نزل به، فولى عندهم خطة، فكان يكتب في شهادته القرشي، ثم رفع إلى أعلى منها فكتب الهاشمي، فقال بعضهم: تداركوا هذا الرجل قبل أن يزيد رفعته فيكتب الجاديري، قلت: ولولا ما عرفو به لأمكن أن يكون مراده فينتسب إلى ما لا يخفى عليكم كذبه فيه، وكان القاضي- رحمه الله- صاحب نوادر وطرائف.
-ومنها: حدثت عن أبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي بابلة التلمساني، وقد كنت لقيته صغيرا، أنه دخل على مصيب أبي عبد الله محمد بن عمر بن خميس (19) ، بغرناطة من مرضه الذي توفي منه، فوجده قلقا، فقال: مالك؟ فقال: رأيت بن خميس في النوم، أراه -قال- على هيئة حسنة، قال: فجمع خمسة يده اليمنى، وقال لي: يا محمد، هذه بقيت لك، وأوقفك بين يدي أحكم الحاكمين، فيسألك عن دمي، فخذ أهبتك، قال: فو الله ما مرت عليه خمس إلا وهو في قبره، وكان قتل ابن خميس يوم الأضحى آخر سنة ثمان وسبعمائة مع الوزير أبي عبد الله الرندي الحكيم.
وربما أرهق الغلو في النقل يراع الونشريسي، فانكفأ إلى الإيجاز والاختصار في تقديم ما بقي من آثار المقري مركزا في غير ما إسهاب على كتابه:"عمل من طب لمن حب"، وما في هذا القسم من معارف جديدة وفوائد جليلة لا يدرك إلا بإيراده كاملا.
يقول: ومن تأليفه أيضا -رحمه الله- كتاب"الحقائق والرقائق في التصوف"، بديع المنزع، لطيف الإشارة، وهو كثير بأيدي الناس في تلمسان وفاس، وكتاب"التحف والطرف"، في غاية من الحسن والطرب،