في عمقه، وفي كينونته لم يكن رجلا بالمعنى الجنسي فحسب، بل كان رجولة بما تحمل من أسئلة ومن جرح غائر حد اللانهاية. كان تلميذا يحب صنوف التمرد ولا يبالي بما يعتقده الناس وما ألفوه من طقوس وتقاليد، كره النظارات والالتزام العقيم. محمد خير الدين، أيها الأديب المنسل من ميتافيزيقا عالم لم يبلغه الناس بعد، أيها المشاكس الذي وأد الخوف وتماسق مع تجليات الحياة في علاقة ملؤها العداوة والبغضاء، محمد خير الدين .. محمد خير الدين .. بأي لغة أكتبك وأنت الذي أجهزت على كل دلالات اللغة واستعاراتها، قتلت كل أشكال الكتابات المتعفنة، حتى كادت اللغة تنطق بك، وتنادي بك في كل فج عميق، فرنكفونيتك شيدت لك تمثالا في شارع باريس من مدينة اللغة الفرنسية، وأمازيغيتك غرست لك شجرة في عمق الوجود والذاكرة، لم تستحل بعد برغم النسيان ولظى الوداع، كدتَ ترمم أجزاء هذا العالم لولا سطوة الموت وجريمته، لكنك برغمه تناسلت فينا وكبرت كما كبر «الطائر الأزرق» .
ميلاد تحت سماء الحزن والمعاناة:
ولد محمد خير الدين في نونبر سنة 1941م بقرية أزرو ن واضو بإحدى نواحي مدينة تافراوت بسوس العالمة من الجنوب المغربي، ولد وسط زغاريد ورقصات أحواش المليئة بالدفء، تلقى تعليمه المزدوج، طفولته كتبت بكل ألوان الضياع والحزن بقدرة الظروف العصيبة التي أحاطت به، وإحداها كانت طلاق أمه من أبيه بتاريخ لم يكن قد بلغ فيه خريف رشده بعد، بالإضافة إلى الفقر وتشتت عائلته، فكانت بذلك طفولة خير الدين العامرة بالجراح والمتناقضات وكثير من المعاناة .. المعاناة التي