فهرس الكتاب

الصفحة 12533 من 29568

أما مدح ابن الخطيب، فهو خاضع لطعم الناس، فكان كل همه أن يعزف على أوتار المخاطبين وأسمى ما تطمح إليه قصيدته هو أن ينفخ من خلالها في روح الممدوح، ويضفي عليه ما ليس متوافرا فيه ...

وأخيرا، فهذه المقارنة لا تطمح إلى أن تلم بكل شيء، فأوجه المقارنة تبقى قاصرة، نظرا لما يتطلبه شعر المتنبي بالخصوص من فهم، وتمحيص، وفراسة لا تقل عن فراسة المتنبي القائل في صباه:

أبدا أقطع البلاد ونجمي

في نحوس وهمتي في سعود (46)

فالمتنبي كان يحس في قرارة نفسه بعلو في الهمة، ولكن واقع حياته كان في واد، وهمته في واد آخر، والديوان الشعري خير شاهد ..

يبقى آخر مشهد يمكن أن نختم به هذه المقارنة، وهو أن كلا من المتنبي وابن الخطيب تنبأ بدنو أجله: فالمتنبي لا نشك أنه عندما لفظ آخر عبارة:"قتلتني قتلك الله"، كان يعرف أنه عائد إلى التراب، أما ابن الخطيب، لما رأى أن السماء قد تلبدت بالغيوم، وأن الناس أصبحوا حوله عقارب وحيات .. بعدما أصبح هذا الجو مخيما، رثى نفسه حتى يوطنها ويقنعها بالموت، ونحن نعده ميتا منذ أن لفظ هذه الأبيات:

وكنا عظاما فصرنا عظاما

وكنا نقوت فها نحن قوت

فقل للعدا ذهب ابن الخطيب

وفات ومن ذا الذي لا يفوت

فمن كان يفرح منكم له

فقل يفرح اليوم من لا يموت (47)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت