ويبلغ اليأس مداه بأبي حيان فيحرق كتبه ويعتزل الناس وتنطفئ تلك الشمعة البريئة بأفواه أهل الظلم والحسد، ولولا أن بعض كتبه انتقلت نسخ منها إلى جهات أخرى لما وصلنا شيء من تراثه.
ولعل القدر أراد أن ينصف أبا حيان بعد عشرة قرون على يد الوزير الأديب الحاج امحمد أبا حنيني الذي عرف قدر الرجل وأفرغ عليه من حبه وعطفه ما يعتبر عزاء لروحه.
وإذا كان بعض الناس من المنصفين لقبوا أبا حيان التوحيدي بالجاحظ الثاني، وإذا كان هذا يفيد أن مدرسة أبي حيان هي مدرسة أبي عمر بن بحر الحاحظ فإن لنا أن نقول: إن الحاج امحمد أبا حنيني لو تفرغ للأدب ولم تستنفذ طاقته أعباء الوزارة لرجونا أن يكون هو الجاحظ الثالث بلا منازع.
وبعد، فهذه إشارات إلى جانب مهم من جوانب شخصية أستاذنا المرحوم الحاج امحمد أبا حنيني، أرجو أن يلفت إليه طلاب الدراسات العليا بكلية الآداب على الخصوص، فيكتبوا عن أدب الفقيد العزيز وعن خصائص نثره الفني، وعن هذه المدرسة التي تبدأ بالجاحظ ومر بأبي حيان لتنتهي بالحاج امحمد أبا حنيني. وإن شعوبا أخرى لها أدباء لا يساوون شراك نعال بعض أدبائنا ويكتبون عنهم ويحاضرون ويقدمون الأطروحات والرسائل عن أدبهم، ويعقدون الندوات ومختلف اللقاءات للحديث عنهم. ونحن قلما تقع منا مبادرة مثل هذه المبادرة التي قامت بها جمعية فاس سايس مشكورة للتعبير عن وفائنا لأعلامنا ورجالاتنا والتعريف بأعمالهم والتنويه بأقدارهم.