ولقد كان تفوقه في العلوم وتبحره في المعارف سببا في تقربه من الأمراء والوزراء فصحب الرئيس ابن العميد وولده أبا الفتح والصاحب بن عباد والوزير ابن سعدان والكاتب البليغ أبا أسحق الصابي وغيرهم من الوزراء ومن في حكمهم من ذوي السلطان.
ولم يكن أبو حيان حسن الحظ بل كان بائسا فقيرا، ساخطا على الدنيا على الدنيا باكيا على حظه منها، ولم يرحمه أهل زمانه، فآذوه إذاية لا يصبر عليها أحد وقالوا فيه من الكذب والبهتان ما هو منه براء ورموه في دينه وكان معظم ذلك بتحريض من الصاحب بن عباد وأمثاله من الوزراء والرؤساء الذين أغراهم به كبرياؤه وإعجابه بنفسه وتنقيصه لغيره وما كان يتحدث به عن"أهل الدنيا وما يمرح فيه الجاهلون والمنقوصون ومن لا يساوي منهم شراك نعله، من الجاه العريض، والدنيا المقبلة، والحظ المواتي والسلطان الكبير، والنفوذ العظيم، ومقارنة ذلك بما هو عليه من البؤس والشقاء وشظف العيش، وتكفف الكريم، واستجداء البخيل".
ولم يكن أبو حيان التوحيدي ضعيفا ولا جبانا فيستسلم، بل صمد في المواجهة بكل شجاعة، وجرد قلمه ليتفنن في وصف مساوئ خصومه، وخصوصا الصاحب بن عباد وابن العميد، وألف كتابه"مثالب الوزيرين"وأخذ يبحث عن آفاق في فن الكتابة لا تبلغها أجنحتهم ويحلق في سماوات لا ترتفع إليها أقدارهم قاصدا إلى الإعجاز والمبالغة فكان ذلك لا يزيدهم إلا حقدا عليه. ومازالوا به حتى أخملوا ذكره وغمروا اسمه حتى قال ياقوت:"ولم أر أحد من أهل العلم ذكره في كتاب ولا دمجه في ضمن خطاب وهذا من العجب العجاب".