فهرس الكتاب

الصفحة 13497 من 29568

وأمام بغال أخرى مطهمة مرفهة بسروجها المطرزة، ولجمها الفضية، وزينتها الحريرية، تختال بركابها النبلاء الذين لا يخلو أن يكون من بينهم عالم من العلماء، أو شريف من الشرفاء، أو وجيه من الوجهاء، أو سيدة من السيدات الوقورات اللواتي لا يستطعن الصعود أو النزول في عقبات فاس الصعبة ...

وان غير العارف بالأمور ليتوهم أن مدينة فاس مشغولة بمشاكل التجارة والصناعة، وبحركات المبادلات والاستيراد والتصدير، تلك الحركات التي يتحمل القائمون بها مشاق وعورة الجبال وقسوة الصحاري ومخاطر السهول، وهياج جموع الثائرين والمتعاركين الذين لا تكاد تخلو منهم ناحية من نواحي المغرب في هذه الأيام ... لكن فاسا في الواقع متيقظة، ومتتبعة للأحوال يوما بيوم، وهي على قلب رجل واحد، تحب وتقبل وتطيع على كلمة واحدة، وتكره وترفض وتعصي في إجماع شامل ... يكفي أن يتصدى عالم جليل أو شيخ حكيم أو شريف أصيل ويصدر فتواه أو يجهر برأيه لتطيعه الأقوام وتتجند الجموع من ورائه، وتصير على استعداد للموت في سبيل إعلاء هذه الكلمة.

لقد عرف الشريف (مولاي الرشيد) كل هذا وأدركه خلال نزوله بمدينة فاس بعد تجوله بعدة مدن وأنحاء كثيرة من المغرب حواضر وبوادي، إنما ملك منه إعجابه على الخصوص، جامع القرويين العامر بمجالسه العلمية في مختلف دروسها: تفسير، أصول، منطق، تنجيم، حساب، تاريخ، تقويم بلدان، نحو صرف، بلاغة، عروض ... هي فنون من العلم والأدب ترفع من قيمة الإنسان، وتنسيه هموم الدنيا، وتغريه بأن ينقطع للتحصيل والدرس إلى الأبد. غير أن الحياة مغالبة أحداثها وتقليب الوجود فيها ... كل ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت