فهرس الكتاب

الصفحة 13498 من 29568

يحتاج إلى أشياء أخرى مع هذا كله. والطلبة الكرام أيضا أخذوا بلب الشريف بحذقهم وتدبيرهم لشؤونهم وبلياليهم الحافلة بالمرح والفكاهة والنطث بقدر ما هي حافلة بالجد والحفظ والاستذكار والنقاش والمعارضات والمطارحات الممتعة.

ولكم أعجبه أن رأى الطلبة يتسللون من فرشهم عند الفجر ويؤمون المساجد للوضوء والصلاة وتلاوة القرآن وبمجرد ما يعودون عند طلوع النهار ينصرف كل فرد من الأفراد جماعاتهم إلى القيام بالمهمة التي هو مطوق بها، هذا يرتب الحجرة وينظفها، وذلك ينفخ في النار ليشعلها، والآخر أخذ القفة وتسلل إلى السوق لإحضار طعام الإفطار والغذاء معا، وبمجرد ما يعود، يجد هؤلاء الشبان النشيطين متفتحي الشهية جدا للالتهام ما أحضره! وينصرفون جميعا بعد ذلك إلى نصب قدر الغذاء، ثم إلى كتبهم الضخمة الدقيقة الكتابة .. إنهم كلهم يراجعون الدروس قبل الذهاب لتلقيها، وأعينهم مع ذلك على القدر التي تغلي والجمرات التي يعلوها الرماد شيئا فشيئا، ومتى ما حضر الوقت بدلوا ملابس البيت بملابس أخرى بسيطة نظيفة وتأبطوا اللبدات الصوفية وغدوا إلى الجامع الذي يستغرق منهم نهارهم كله .. أما الليل فللسمر والتنكيت وقراءة أشعار الغزل وأخبار العشاق التي خلدها الدهر مثيرة هكذا، لتغذي خيالات هؤلاء العزاب المنقطعين للعلم، وللعلم وحده، مؤملين في مستقبل سعيد فيه يعشقون أو يعشقون .. !

لكن تنبخر الآمال وتضيق النفوس لما تشيع في وسطهم أخبار الثورات والحروب والفتن التي تثور هنا أو هناك من أنحاء الوطن، لأنهم يعرفون أن فاسا هي الهدف الأول لكل ذي حركة، أو نهاية المطاف بالنسبة إليه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت