والطلبة ملزمون بالخوض فيما يخوض المواطنون الذين يساكنونهم ... وفي مثل هذه المناسبات تثور الأشجان في الطلبة (الآفاقيين) الواردين على كلية القرويين لطلب العلم، فيذكر كل واحد حالة بلدته والمشاكل المحدقة بها، وهم لا يقطعون برأي في ذلك، ماداموا بعيدين عن مسارح الأحداث، فهذا (الطنجي) يذكر أحوال بلاده تحت حكم الإنكليز، (والريفي) يفيض في مآسي منطقته على يد الإسبان، وبمثل هذا يتحدث (الدكالي) ، ويتشاءم (الوجدي) من تربصات الأتراك بتلمسان المجاورة لمدينة وجدة، ويود أن يقول (التدلاوي) شيئا عن الدلائيين الذين انقلبوا من عباد إلى حكام، فلا يجد عنده أخبارا جيدة وكذلك بحار (السلاوي) فيما يقوله عن آخر أخبار (الشيخ العياشي) ... سوى الشريف مولاي الرشيد فإن عنده تفاصيل جديدة عن الأحوال بهذه المناطق كلها، ولكنه وهو في ضيافة الطلبة يكتفي بالاستماع والاستفادة من أجل مستقبل يتهيأ له، ولا يريد أن يكشف جهارا عما ينتوبه، فذلك ليس م الحكمة في شيء ... إنما لاحظ أن الطلبة الشبهاء يتجهون في نهاية الحديث إلى طالب من بينهم رصين متزن ويسألونه:
ـ كيف حالكم مع ابن مشعل اليهودي؟ كيف حالكم معه يا أهل تازة؟ إنه الآن يتقوى ويتجبر، وسيأتي يوم يبتلعكم فيه، ثم يتقدم إلى فاس ـ وهي ليست بعيدة جدا منه ـ فيبتلعها أيضا، ويأتي بعد ذلك دور مدن المغرب الواحدة بعد الأخرى ... فوالله لئن وصل إلى فاس ليمزقن شر ممزق، ولنقطعن بسكاكين الطعان هذه من لحمه ونرمي لقططنا ... أموال المغرب في صناديقه، وبها سيحاربنا ويحتل البلاد ويتحكم في العباد، يا ويل الأعزاء من حكم الادلاء!