291 العدد
إن شخصية سيدي محمد بن عبد الله الفذة وعبقريته العلمية تجلت منذ حداثة سنه، وتوفرت لها عدة عوامل ساعدت على نموها في سن مبكرة، فزيادة على تربيته في أحضان بيت الملك والسلطان وما يوفره للمربَّى فيه من مؤهلات تربوية وأطر تعليمية واحتكاك برجالات العلم والفكر والقلم والسياسة والأدب والشعر. حظي بعناية خاصة من أبيه وجدته الفاضلة السيدة خناثة بنت بكار (1) التي كان لها شفوف ومنزلة ومكانة خاصة بين رجالات القصر، وذاك ما جعل سيدي محمد بن عبد الله على صغر سنه يحظى بمرافقة جدته في سفرها في موكب رسمي إلى أداء فريضة الحج وزيارة الديار المقدسة (2) . وكانت فرصة عزيزة جاد الله بها عليه، مكنته من الاتصال بكثير من علماء البلاد التي مرَّ بها الموكب، خاصة علماء مصر والحرمين الشريفين، فزاد ذلك في صقل مواهبه وتفتح مداركه ومضاعفة شغفه بالعلم والمعرفة.
فما أن عاد إلى بلده حتى أقبل على العلم وأكبَّ على القراءة والمطالعة، وحبَّب إليه في البداية الاشتغال بكتب الأدب وخاصة كتاب الأغاني الذي تذكره المصادر أنه كاد يحفظه عن ظهر القلب على ضخامة الكتاب الذي نعرف أنه طبع في عشرين مجلدا، لذلك كان كثير الاستشهاد بما روي في هذا الكتاب من تراجم وقصص وأشعار وكأنها نُصْبَ عينه، مما حدا إلى الاعتقاد أنه كان يستظهره.