وما كان ليشذ عما تفرضه أصول التربية والتعليم والسنن المتبعة فيه في عصره، بل وفي كل عصر من وجوب الابتداء بالوسائل قبل الغايات، وتقديم الأهم فالأهم، وخاصة وهو في بيت الملك والسلطان الذي يرعى العلم والعلماء، ويهتم بعلوم الدين قبل غيرها من العلوم الأخرى.
إذن فلا بد وأنه درس أول ما درس علوم اللغة التي أهلته لقراءة مثل كتاب الأغاني وما يحتويه من أشعار الأهاليين وغيرهم، التي تتطلب تكوينا متينا في اللغة، إضافة إلى علوم الفقه والكلام والتفسير وغيرها من العلوم التي كانت تدرس في معاهدنا القديمة ولا تزال، وبها كانت تبتدئ مراحل التعليم قبل الوصول إلى دراسة مثل كتاب الأغاني وما في مستواه.
وإذا كنا نعرف أن سيدي محمد بن عبد الله دخل إلى حلبة الحكم والسياسية وعمره 25 سنة (3) ، إذ تولى منصب الخليفة بمراكش في هذه السن، ثم استمر في هذا المنصب إلى أن بويع بالملك عقب وفاة أبيه ـ رحمه الله ـ وكانت الظروف التي تولى فيها الخلافة ظروفا صعبة وقلقة ومضطربة في عموم المغرب، وهو الأمر الذي يتطلب من مسؤول في مستواه التفرغ التام لمسؤوليته وبكل طاقته وثقله وفي حزم وحذر شديدين ودون توان أو كسل، وإلا عَرَّضَ نفسه والدولة والبلاد للخطر، وإذا علمنا مع ذلك كيف استطاع بحكمته وحنكته وسياسته أن يقضي على الفتنة في الجهات التي تولى الحكم فيها نيابة عن أبيه، حتى أجمعت القلوب على حبه والثناء عليه، وسارعت كثير من الجهات إلى الدخول في ولايته وطاعته حتى دعي إلى المبايعة في حياة أبيه فرفض. (4)