وما أن توفي والده حتى تسارع الجميع إلى مبايعته وفي كافة أنحاء المغرب وجهاته دون توقف أو تردد، لِمَا شاع من فضله وذاع من كفاءته وحسن سياسته ويمن نقيبته، مما تعرض له المؤرخون بتفصيل، وليس هو من موضوع حديثي هذا، غير أني أشرت إليه لأمهد به فقط إلى أنه إذا كان الأمر كما قلت وأن الاشتغال بالعلم فأحرى التفرغ لتحرير مسائله والتأليف فيه هو مما لا يتأتى في العادة مع أعباء الملك والسلطان، وكما قيل: العلم لا يقبل الشريك.
فإذا وُجد مع ذلك من استطاع الجمع بينهما وكان إلى جانب أعباء الملك والدولة وخاصة في الظروف الصعبة وعندما تجتاح البلاد فتن من الداخل والخارج وتتعرض للغزو والاحتلال الأجنبي، كما كان الشأن بالنسبة لأيام سيدي محمد بن عبد الله، فإذا كان إلى جانب ذلك كله يتمكن من وقت يخلو فيه لنفسه ليقرأ ويكتب ويؤلف، ويساجل العلماء، ويأتي بالطريف والجديد فيما كتب وألف كما ألف سيدي محمد بن عبد الله، وأمتع الخزانة المغربية بما كانت في حاجة إليه، بل بما لم يسبق لغيره أن ألف فيه أو اهتدى إليه لما سنتعرض له بعد إن شاء الله عند الكلام على سيدي محمد بن عبد الله المحدث.
فحسبنا هذا إذن في تصور عظمة هذا العالم الجليل ونبوغه إجمالا أن يكون ملكا وعالما ومؤلفا ومشاركا فيما يعقد بحضرته من مجالس علمية ودروس حديثية في آن واحد.
فكانت بذلك شخصية سيدي محمد بن عبد الله شخصية فذة وفريدة يعز وجود نظير لها بين ملوك الإسلام لا في المغرب فحسب، ولكن على مستوى العالم الإسلامي ومنذ قرون عديدة، ومن ثم كان الكلام عن