تنساب في عالمه المتأرجح بالهتافات الخافتة أهازيج توقعها مزاهر خفية، بهذا يبلغ به الفناء في الحضرة الإلهية حالة الري (1) فيعلن كما أعلن من قبل الحلاج، يعلن على رأس الملأ من غير ما وجل انه صاحب الوقت المتصرف أو انه المهدي، وغير هذه الشطحات، وبين عشية وضحاها يأمر المولى إسماعيل العلوي بزجه في غياهب سجن فاس الجديد.
ويدخل السجن، يدخله وهو كله إيمان راسخ ثابت لا يعبأ بما أصابه.
وكيف يعبأ .. ؟
كيف يعبأ وقد أصبح يعيش على ثمار التجلي، ويرى أن ذلك قدر مقدس سبق به القلم منذ إن كان آدم بين الماء والطين، وانه تجربة من الفرد الصمد.
كيف يعطي أدنى اهتمام، وقد لفه الإشراق في ثيابه .. هذه جدران السجن تحيط به من كل جانب، ولكنه في شغله الشاغل عن القيود والسلاسل، بتلذذ باسم حبيبه، يأنس بذكر متيمه، يذهب الوحشة بالابتهالات، ولكأني به ينغم: رباهن اجعلني نغمة تسبح في ملكوتك .. رباه، عبد يتفانى في ذاتك العليان هيئ له في مهرجان أغاريدك كأنما يتبوأه.
رباه، أني طائر منتش بخمرتك، أأذن لي بان ازقزق في خمائل بساتينك، أشدو وأغرد، اغني واهدل ..
يا الله، ظلام السجن محدق بي من كل جهة، بيد أن نورك يبدده في سرعة ..