قدر لبعض شعرائنا المعاصرين أن يعيشوا فترات طويلة من حياتهم خارج المغرب، أما فرارا من ظروف القهر الاستعماري وخنق الحريات التي كانت تعاني منها بلادهم قبل سنة 1956، وأما للدراسة والتحصيل والاغتراف من مناهل المعرفة ومنابع العلم، وأما للاضطلاع ببعض المهام التي غالبا ما كانت مهاما ديبلوماسية ...
ومن هؤلاء الشعراء نذكر على سبيل المثال لا على سبيل الحصر: الشاعر الزعيم المرحوم علال الفاسي (1910 - 1974) الذي نظم قصائد عديدة من شعره الغزير الوفير في اسبانيا والغابون والكونغو، والشاعر المرحوم عبد الكريم بن ثابت (1915 - 1961) الذي كتب بعض قصائد ديوانه"ديوان الحرية"في تونس، والشاعر المرحوم ادريس الجائي (1922 - 1977) الذي نظم شعرا كثيرا من ديوانه"السوائح"حين كان مقيما بباريز، والشاعر أحمد عبد السلام البقالي المزداد في سنة 1932 الذي كتب بعض قصائد ديوانه"أيامنا الخضراء"في الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر، وغير هؤلاء من الشعراء المغاربة المعاصرين الذين لم تصرفهم حياتهم في الغربة عن كتابة الشعر ونظمه في شتى الموضوعات والمناسبات.
وشعر الغربة عند هؤلاء الشعراء لا يخلو مطلقا من مذاق خاص ومن أسلوب خاص، نابعين من الإحساس العميق بالغربة عن الوطن، وبالحياة خارج هذا الوطن، وبالعيش في مجتمع غير المجتمع الذي ألفه الشاعر في بلاده، وغالبا ما تكون هذه الغربة عند هؤلاء الشعراء انعطافا خطير الشأن في تجربتهم الشعرية، سواء من حيث الشكل أو الفكرة والمضمون، وهذا أمر طبيعي، لأن حساسية الشاعر تجاه الحياة الجديدة تفرض عليه أن يتمثل