وكان أبو العباس أحمد بن خالد الناصري ـ صاحب المؤلف التاريخي الذي طبق صيته الآفاق: «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى» ـ أحد أبناء هذا البيت العريق في المجد العلمي، لم يترك لنا بعد وفاته رحمه الله سنة 1315هـ تراثا ثقافيا في شتى العلوم والفنون الأدبية والإسلامية والتاريخية فحسب، بل ترك أيضا ذرية صالحة، تخرجت من مدرسته في التاريخ والأدب والسير، وورثت سره علما وأدبا وتدوينا: محمد العربي، ومحمد، وجعفر الناصري (1) .
فكان أبو عبد الله محمد العربي بن أحمد الناصري سند والده في تخريج مؤلفاته وكتاباته، وتنظيمها وتنسيق فصولها، عكف على تربية وتثقيف شقيقه جعفر ومحمد «الفرقدين النيرين في سماء الأدب، وفرسي رهان في حلبة التفوق والاطلاع» كما وصفها فقيد الأدب المغربي الشاعر الأديب محمد بن عباس القباح رحمه الله.
وولج محمد الناصري الأخ الأصغر بعد إتقانه العلوم العربية، المدرسة الفرنسية، وانكب على دراسة لغتها وآدابها وحقوقها، حتى اتسعت فيها مداركه، وعلت فيها معارفه، فقام بترجمة الجزء الخاص بالدولة السعدية من كتاب والده الاستقصا إلى اللغة الفرنسية، وطعمه بتصحيحاته وتعليقاته واستدراكاته. كما قام بنشر عدة وثائق باللغة الفرنسية من تأليفه وإنشائه، نشرها بالصحف الفرنسية تحت عنوان: «بين حقيقة من القصر الملكي بالرباط» .
ولم يخرج محمد الناصري عن «القاعدة الناصرية» ، بل كان أيضا مؤرخا، كتب مؤلفا في أربعة أجزاء عن تاريخ المغرب القديم وعهد الفتوحات