فهرس الكتاب

الصفحة 13702 من 29568

خفت بسرعة فائقة نحو الباب، ودفعتها وقد استولت عليها موجة من الفرح، وقصدت غرفة الشيخ لتزف إليه البشرى، ولكنها مالبثت أن تراجعت إلى الوراء إذ تذكرت أن الشيخ لسوف لا يعطي أدنى اهتمام لهذه البشرى .. إنه يظل طول الليل يتهجد ويتبتل في خشوع .. لا ينتهي من صلاة حتى يبدأ صلاة أخرى .. وهكذا يظل يستنزل ساعات الليل في الذكر والعبادة متجها نحو القبلة يناجي ربه في وشوشة المتاصبي العميد فإذا أشبع نهم نفسه من ذلك فزع إلى كتاب الله يتلوه في صوت عذب جميل، وإذا تلا آية تصور هول يوم القيامة بكى وأذرف الدموع مدرارة، وإذا تلا آية تصور النعيم الذي سيتبوأه المتقون علت شفتيه بسمة متراقصة، ثم يطوي كتاب الله الأقدس في تؤدة حية فتنازعه نفسه إلى أن يدلف رياض الشعر التصوفي حيث تنبت زهور الحقيقة الأبدية وحيث يتلاشى الجمال المقيد في الجمال المطلق الذي لا يتحدد بحد، فيعمد إلى ديوان ابن الفارض يتنغم بتائيته الكبرى في نشوة تحرك الرؤوس والأبدان فإذا هي في ترنح وتمايل .. ثم تذكرت ما كان يقوله سيدها الشيخ أكثر من مرة من أن الحياة الدنيا ظل زائل والاخرة ظل خالد، ورغم ذلك فإنها جمعت أشتات شجاعتها وتقدمت إلى سيدها قائلة له في فرحة لا تعد لها فرحة:

ـ سيدي .. ألم تسمع بما يتحدث به الناس من أن السلطان سيجود عليك بوظيفة في بلاطه تلائم مقامك ومنزلتك!؟

وبعد برهة من الزمن لم تدم طويلا رفع الشيخ الجالس على سجادته رأسه ووضع مسبحته التي لا تفارقه في حله وترحاله، بجانبه .. ثم قال لها بصوت هادئ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت