ـ نعم إنه نفس الخبر الذي أفضى به إلي كثير من تلامذتي منذ أيام عديدة خلت، وأنت تعرفين حق المعرفة أنني راغب عن هذا، ولكنني سأقلبه فيما إذا ألح علي السلطان مولاي محمد بن عبد الله نظرا لما أكنه له من حب خالص، وإنني أود من أغوار فؤادي أن أنفق عمري كله في الوعظ والتدريس ونشر ألوية المعرفة بين الناس وبخاصة هذا الشعب الذي هو في أشد الحاجة إلى من ينير له الطريق المظلم الدامس، ويفتح له مغالق العلوم حتى يصبح بإذن الله شعبا ذا وزن في الحياة الإنسانية، وتلك مهمة العلماء لا يضطلع بها غيرهم ..
وتنحنح الشيخ، وساد الغرفة جو من السكون ما لبث أن مزق أديمه بقوله مخاطبا لها:
ـ من قال لك أنت بالذات هذا النبأ؟
فأجابته بصوت تكتسيه نبرات من الاضطراب:
ـ سمعته يا سيدي من الجيران القاطنين بحينا، وإن ألستنهم لا تفتر عن نشره بين الناس ..
ثم اذن لها بالانصراف، وانصرف الشيخ لعمله كعادته كل يوم.
وتجرمت أيام وتابعتها شهور والشيخ يزاول عمله في التدريس والوعظ يحضر مجلسه العلمي كثير من رواد العلم وعشاق الأدب، يلتفقون ما تنفرج عنه شفتاه من درر ولطائف حتى كان يوم ناداه السلطان الذي سمع كلمات الثناء والإطراء في شخصيته العلمية والأدبية فقلده منصبه ككاتب في البلاط الملكي، ورغم ذلك فلم يلهه هذا المنصب عن نشاطه العلمي والأدبي، وكيف يلهيه شيء من ذلك ووصايا أشياخه مايزال