رنينها يرن في أذنه» ألم يوصه شيخه أبو حفص الفاسي، وأبو عبد الله محمد التاودي ابن سودة وأبو عبد الله محمد بناني وغيرهم بأن لا يلهيه شيء عن ارتياد الآفاق العلمية، وجوب رحابها الواسعة مهما عظم هذا الشيء، ومهما كان نوعه وشكله، وهو نفسه من غير أن يوصيه أشياخه لا يستطيع أن يتوقف عن نشاطه وهو الأديب الذي لا تأسره وظيفة ولا يقف أمام وجهه سد، لأن الأديب أبدا يحن إلى حديقة فنه حنين النيب إلى قصالها، ينطلق في مهامه الأحلام الملكوتية حيث رقرقات الإلهام المجسد.
أجل، الأديب لا يعبأ بشيء من ذلك، فإنه دوما ينشد الحرية والاستقلال تماما كالشحرور الذي لا تطيب حنجرته بأعذب التغريدات إلا إذا وجد فضاء واسعا يوحي إليه بذلك ويساعده على التنعيم والتغريد ...
وحقيقة فإن الشيخ الشاعر غنى وطرب وغرد وهدل، فكانت تغريداته تكتسيها البهجة والروعة والإحساس الصادق الذي يدل على طبع صاف، وعلى فكرة صلها التهذيب وشذ بها الصدق، إذ أن الشعر ينساب من لسانه رقراقا صافيا وينبثق من قلبه معبرا عن عاطفة عاكسة لما يتجلجل في أعمال النفس مصورة ما يزخر به القلب الكبير الطيب المغذي بفيض الرقة والحنان، فلنستمع إليه في معرض الرثاء يتحدث عن شيخه أبي حفص الفاسي في قصيدة لونها بذات نفسه، فإن قلت فيها: إنها جمرة متقدة صدقت، وإن قلت فيها: انها أتون ما كذبت ... لنستمع إليه، فنتلذع معه ونشاطره تلذعه وعذابه الحرون:
الدمع يروي عن فؤاد الأكمد
بمسلسل وبمرسل وبمسند
فاجعل حديث الدمع عندك حجة