فهرس الكتاب

الصفحة 15276 من 29568

جلس المنصور بن أبي عامر، عملاق الأندلس فيما بعد عصرنا الذي نؤرخ فيه لفقيدنا الكبير، مع أربعة من زملائه الطلاب، في حديقة من عديد كانت تغص به قرطبة أو أرياضها، في يوم شامس، افترشوا الخضرة، وخلعوا عذار الوقار، ملء أهابهم الشباب، وملء جنانهم الأمل يأكلون بشهية ويضحكون في عمق، كأنهم لم يروا في حياتهم شقوة ولا تعيسا من الأحداث، إلا المنصور نفسه، فقد ظل هادئا ساكنا لم يتحلل من وقار الكبار، ولم بنزلق إلى عبث الفتيان، وعبثا حاول رفاقه أن يكسبوه إلى صفهم، وعندما أنهوا مجلسهم، صاح بهم لا تعجبوا، إني أروض نفسي لأكون جديرا بما أطمح إليه من آمال وما ينتظرني من مهام، فسوف أكون سيد هذا البلد يوما، وضحك رفاقه، ضحكوا من زميلهم الذي يحلم بخلافة الأندلس، وقد كان إلى دقائق يقاسمهم طعامهم على الأرض، طعاما متواضعا، لا تحويه مائدة، ولا يقدمه خدم، ولا يحيط بأكله حرس ولا هيلمان.

ولكن المنصور مضى بفصح عن آماله ويضغط عليها أنا واثق مما أقول، تمنوا علي، ليقل لي كل واحد منكم، ما يريد أن أعهد إليه من مهام عندما أصبح الحاكم المطاع.

وبدأ واحد منهم، ساخرا أو جادا بحلم بأكلة شهية، مما يرى في الأسواق، دون أن يروي له ظلما أو بنقع غليلا، نعم يا صديقي، أنا أريد أن أصبح صاحب السوق، يوميا سوف أحصل على ما أريد يثمن معقول، أو بلا ثمن على الإطلاق.

وقال الثاني: إني أحب الثمر المستورد من مالقة، مسقط رأسي، فعيني قاضيا لهذه المدينة، لا شبع نهمي من فاكهتي المحببة.

وقال الثالث: أن منظر الحدائق الجميلة يأخذ بلبي، فعيني صاحب المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت