وكان الرابع قد احتفظ بهدوئه وأدار ظهره لما يقول زملاؤه، ساخرا من أحلامهم الجامدة، ولكن المنصور اتجه إليه يسأله: وأنت ماذا تريد؟ ثمن علي، لن أظن عليك بما تريد عندما أصبح أميرا.
فالتقت إليه الفتى في كثير من السخرية، وفي كثير من الاستهزاء قائلا: عندما تحكم الأندلس الغلبانة أرجو أن تأمر بطلي بدني العسل، وان اترك فريسة للنحل والذباب يلسعني، وان أوضع على حمار، ظهري إلى الأمام ووجهي إلى الخلف، وان يطاف بي شوارع قرطبة على هذا النحو.
رماه المنصور بنظرة حادة، ولكنه احتفظ بهدوئه كاملا، وقال في هدوء رزين، كمن يعلم جيدا حقيقة ما يقول، سيبلغ كل واحدا منا هدفه يوما.
ويرجع المنصور إلى داره، إلى دار قريب له كان يأويه، وبات ليلته، وفي الصباح الباكر لم يذهب كعادته لتناول طعام الإفطار مع الأسرة، وقد ظن مستضيفه أنه لا يزال نائما بعد، فذهب ليطمئن عليه، فوجده يقظان مجهدا، محمر الجفن، مربد الوجه، من أثر التفكير الشديد.
-يبدو أنك لم تنم ليلتك السابقة؟
-نعم هو ذاك!
-ما الذي أضجرك؟
-كنت أفكر في شيء غريب ...
-في أي شيء كنت تفكر؟
-كنت أفكر في الرجل الذي سأعينه قاضيا عندما أحكم، لأن القاضي الحاضر لن يطول به العمر حتى يبلغ ذاك ولقد طوفت الأندلس شرقا وغربا، فلم أجد إلا رجلا واحدا يستحق أن يتولى هذا المنصب الجليل!
-اهو الفقيه محمد بن المسلم؟