الشرف بين الأمم، ومدعاة المدح والثناء، لما جبلوا عليه، من عز الجوار، وحماية التنزيل، ورعي الذمة، والوفاء بالقول وايفاء العهد، والصبر على المكاره، والثبات في الشدائد، والإغضاء عن العيوب والتجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين، وبر الكريم، وتوفير أهل العلم، وحمل الكل، وكسب المعدوم وقرى الضيف والإعانة على النوائب وعلو الهمة وأباء الضيم، ومقارعة الخطوب.
ولم بكن نصيبهم من الفضائل الإنسانية وحدها كريما وعاليا، ولكن نصيبهم من الحمية الدينية أيضا كان عظيما ورائعا، فهم حريصون على إقامة مواسم الشريعة، والأخذ بإحكام الملة، ونصر دين الله، فقد نقل عنهم في اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبياتهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم، واقتفاء الأئمة للصلوات في بواديهم وتدارس القرآن بين أحيائهم وتحكم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، وصاغبتهم إلى آهل الدين والخير من أهل مصرهم للبركة في آثارهم، أغشائهم البحر أفضل الرابطة والجهاد (8) .
كذلك كان البربر ومازالوا، وبتعبير أدق، كذلك كان أسلاف يحيى، ولقد كان واحدا منهم، بل واحدا جامعا لكل ما هو طيب فيهم من خلق وخصال، والإنسان في غور نجاحه، مدين لأشياء أربع، شخصيته وما تتصل به من خلق أصيل أو دخيل وما يلحق بها من أستاذ نابه أو زميل عطيل، وتجاربه في الحياة وما يتبعها، من إفادة جادة، أو سطحية تافهة، وعصره الذي أظله، وجوه الذي تسميه وجوه الثقافي والاجتماعي، وما وراء كل ذاك.