وعلى أي، فإن أعراض المصادر التاريخية عن ذكر أبيه وجده، لأنهما لم يكن لهما نشاط يعرفان به، أو كان لهما ثم تجاهلته كتب التاريخ، كل ذلك ليس بناف شرف البيت الذي نشأ فيه، فقد كان من مصمودة، ولمصمودة تاريخ مذكور مشهور، فيما قبل الإسلام أو فيما بعده، فقد كانت من أكبر البطون التي تشكل فرع البرانس، وكانوا مع صنهاجة يشكلون أساس سكان البربر وكان منهم مسيرة المطغري، أكبر وأول من ثار على الحكم العربي، في خلافة هشام ابن عبد الملك.
وكان هؤلاء البربر يلتقون مع العرب في أشرف ما عرف من الخصال، كانوا شجعانا محاربين يغارون على حريتهم فلم يعرفوا حكم الأجنبي يوما، ولم يستطع حكم الرومان في الأزمنة القديمة، أن يتجاوز الساحل المحاذي للبحر الأبيض حيث المدن والاستقرار وأخلاط من الناس من كل فج وصوب، ومن كل عشير وقبيل.
ولعل الإسلام لم يلق في امتداده من العنت والمشقة، ولم يبذل من الدماء والشهداء كما بذل في المغرب، في قلبه أو في أطرافه على السواء، ولم تهدا الأمور فيه، إلا عندما اعتنق أهله الإسلام، وألقيت مقاليد الأمور إليهم، فكانوا في إسلامهم كما كانوا في جاهليتهم شجعانا أقوياء، فحملوه حيث استطاعوا ودافعوا عنه ومازالوا، ودفعوا به إلى الأندلس شمالا، والى قلب الصحراء جنوبا، وأهدوا العالم الإسلامي في العصور الوسطى، أكير وأعظم دولتين مغربيتين: دولتي المرابطين والموحدين.
يقول ابن خلدون، وقد عرف البربر وخالطهم وعاش معهم فكتب عن بينة ووصف عن خبرة وسجل عن يقين واقتناع أن تخلقهم بالفضائل الإنسانية، وتنافسهم في الخلال الحميدة، وما جبلوا عليه من الخلق الكريم، مرقاة