وعطاء بن رباح، وطاووس بن ذبيان، واليهم والى تلاميذهم يرجع الفضل فيما اشتهرت به مكة من علم واتجاه.
كان مقام يحيى بمكة فيما يبدو قصيرا ولعله لم يتجاوز مناسك الحج، وقليلا من الزمن ليتعرف إلى مدارسها وعلمائها، فليس يحيى هو الذي يهبط بلدا دون أن يغتنم كل وقته ليفيد من أهله علما، وليضيف إلى معارفه جديدا، إلا أن اختلافه إلى شيخ فقهاء مكة سفيان بن عيينة شيخ الشافعي، لم يترك في نفسه من الأثر ما ظهر بعد في حياته أو تفكيره، على حين أن لقاءه الليث بن سعد ترك في اتجاهه الفكري ملامح مدرسته، على الرغم من أن يحيى كان من عمد المالكية وحماتها في الأندلس (25) .
لم يحاول يحيى أن يتجه لما وراء مكة او المدينة شمالا، واحسب انه لم يدر بخلده ان يتجه الى بغداد او الكوفية أو البصرة أو دمشق، والرأي عندي في تعليل ذلك أن اتجاهه كان فقيها خالصا، وتلك أمصار كان طابعها الأعم الأغلب إذ ذاك، الأدب واللغة وما يتصل بهما، ثم بدأت تغشاها ألوان من النقاش والجدل والفلسفة، وصراع حول العقائد والقضاء والقدر، والجبر والاختيار، وهي أشياء مبغضة إلى الفقهاء بعامة، والى خريجي مدرسة المدينة بوجه خاص، وان يكن لها حظ من العلم بالتشريع والتصرف فيه، فحسبه انه راد النبع الأصيل. هل نلمح وراء ذلك توجيه أستاذه شبطون؟ ربما ...
ولكن ذلك التعليل وحده لا يكفي، فقد غشي يحيى حلقات الدرس في مصر، أمر سنعرض له فيما بعد على التفصيل، وتلقي عن علمائها رغم انه كان إن تلك الأمصار كانت تخب في السياسة وتضع، وتأخذ منها باوفر