عم مكوار يخال أنه في مثل قدم السماء والأرض، وأنه لا أول له لطول الزمن الذي قضاه في الحياة، وتبدو له أيام طفولته وشبابه وكهولته بعيدة، بعيدة لكثرة ما تراكم عليها من الأسابيع والشهور والأعوام، بل إنه لا يذكر مطالع شيخوخته فقد أصبحت هي أيضا بعيدة بعيدة ...
وحينما تختفي قوة الإنسان الجثمانية لا يجد بدا من أن يستعيض عنها بقوة أخرى، وخصوصا إذا كانت أسباب العراك والخصام التي كانت تذهب في كثير من الأحيان إلى حد العناد والتحدي والاعتداء أيضا، أما القوة الماضية فكانت تتمثل في سخريته اللاذعة التي بات يستخدم فيها لسانه ووجهه وحركة كتفيه وذراعيه وبدنه جميعا.
قال عم مكوار لنفسه بعد أن تأمل ما آلت إليه أمور الحياة في مرارة ساخرة:
تالله إنها لفاجعة، أحفادي وأبناء أحفادي وربما أبناء أبنائهم يجرون في الشوارع كالأبالسة، لا يرهبون رصاصا ولا مدفعا ولا طائرة، والعم مكوار قابع هنا في بيته كأن لم يرفع يده بالأمس ... ويقتحم عليه الجنود عقر دراه ليفتشوا غرفها ويتلفوا أثاثها ويفزعوا سكانها، والعم مكوار لا يأتي حراكا، وإنما يقلب عينيه بين الجنود وأسلحتهم ويتأمل ما هم فيه من جهد، فإذا علت وجهه بسمة ساخرة نظر إليه أحد الجنود شزرا فعاد العبوس إلى وجهه سريعا وهو أكثر سخرية من البسمة الزائلة ...
إن في تلك الزوابع التي كانت تسير أمامه وفي أثره أجيالا قد تحولت إلى صوت خافت أبح ونظرات منطفئة، وخطوات متهالكة، وعزم كسيح.