فصار يدخل إلى الدكان فيجالسه فيه. وهناك أغراه صاحبه بالإقبال على تعلم الإسبانية، فانقلب هذا الطالب إلى تعلمها والتحق بإحدى مدارسها وكان إكبابه عليها منقطع النظير، لدرجة أنه كان عند الاستعداد للامتحان يدخل بيته ويحلق حاجبيه لييئس نفسه من الخروج منه وينقطع إلى المطالعة والتحصيل مدة شهر أو يزيد.
ومضت بعض السنوات وإذا به يحرز شهادة «الباكالوريا» فينال منحة من الحكومة الإسبانية تساعده على الالتحاق بجامعاتها ومتابعة دراسته فيها. وبذلك التحق بكلية الطب في غرناطة وكان موفقا في دراسته فتخرج منها طبيبا اشتهر بمهارته وهو الآن يزاولها بطنجة.
أما صاحبنا العبقري المجهول «سي احمد» ، فإنه بدا له أن يعود إلى حظيرة المساجد حيث يستأنف تعمله العربي والديني في حلقاتها التعليمية.
وهكذا باع دكانه وما كان يحتويه من سلعة وتوجه إلى فاس وهو يحمل معه من الأموال ما قدر أنها ستكفيه للإنفاق على نفسه طيلة مدة التعليم بالقرويين التي عرفت آنذاك «النظام» في تعليمها.
فالتحق بالسنة الأولى من الثانوي، وربطت بيننا الزمالة الجديدة زيادة على القديمة. وصار يلقي علي ما يكتبه في مذكراته وكان يحتويها سفر كبير فكنت لا أفهمها كما يجب.
وخيل إلي أنني أستطيع أن أكتب كذلك فكتبت وقد قرصتني الغربة حقا فنفثت هذه الكلمة التي منها: «لا تعرف اللذات إلا بعد فقدها؛ فقد يكون الإنسان في عيش عذب الموارد والمناهل، بيد أنه لا يعرف طعم