الغني بالله ... إلا أن الأحداث دارت دورتها فانتقلت الأوضاع السياسية فأطيح بسلطان بني مرين، وانتقل الحكم إلى غيره ممن كان مواليا لسلطان الأندلس الغني بالله ـ بعد فرار ابن الخطيب ومغادرته للأندلس فجأة كما سبق الحديث إلى ذلك بشئ من التفصيل ـ وكان الغني بالله وقد تمكن من استرجاع عرش بلاده، قد أذعن للتهم التي كان يروجها ضد ابن الخطيب زعماء الفتنة ... ويبادر إذ ذاك الغني بالله إلى المطالبة بالقبض على ابن الخطيب وسجنه، فلم يتردد أحمد السعيد المريني في تلبية رغبة صديقه سلطان الأندلس الذي كان يتحرق انتقاما من وزيره السابق بما أكده الخصوم لديه من تآمره مع السلطان عبد العزيز وإغرائه على غزو بلاد الأندلس ... ورأى السلطان أحمد السعيد أن يعقد مجلسا بخاصة هذه القضية المؤلمة حضره، ويا للأسف: أبو عبد الله زمرك الذي صدرت إليه الإشارة بالتحقيق فيها ... واستدعي ابن الخطيب كبير العلماء ورئيس الوزراء للاستماع إلى ما جاء في صك الاتهام والدفاع عن نفسه ... وراح ابن الخطيب يقدم الحجة لتبرير ساحته بما عهد فيه من براعة في القول وبيان في الأدلة والبراهين، ولا يفوته أن يختتم مرافعته بقوله تعالى: ?إن ربك أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى?، ورغما عن قوة تلك البراهين، فإن أحدا من القضاة لم يتأثر ولا اقتنع بصحتها، بل أجمعوا كلهم على أن ابن الخطيب ارتكب من الجرائم حقا ما يستحق به الإعدام. وعقب هذا الحكم الجائر المتعسف حمل فورا إلى السجن، ولم يلبث أن دخل عليه جماعة من الأوغاد وقتلوه خنقا، لا نادمين ولا خائفين من عذاب الله، أولئك لهم سوء الحساب. ومأواهم جهنم وبئس المهاد» ثم أحرقت جثة الفقيد الشهيد ومن الغد دفنها قرب باب المحروق بفاس ... وهكذا