لقد كان الفقيد العزيز مستقيما إلى أقصى حدود الاستقامة وكان مثاليا في نزاهته ولكنه كان صريحا لا يداري الكذابين والمنافقين كما كان حادا لا يقبل العبث بالقيم الأخلاقية من مروءة ورجولة ووفاء وصدق. فما كان يحابي أحدا من الذين يريدون أن يغروا بالناس ويضحكوا على ذقونهم كما يقول المثل الفرنسي. وقد كنا نجده دائما يقف موقف الجد والصرامة إذا ما تعرض أحد من العلماء أو الأصدقاء إلى إهانة كما يؤيد ويناصر كل من يسعى لأخذ حقه بالطرق المشروعة كما كان لا يتردد في الجهر بالحقيقة كلما حاول أحد من المدعين أن يزيف حقيقة علمية راسخة واضحة لا تقبل الارتياب والجدال والشك والاحتيال. فماذا كان يفعل لرد الأمور إلى نصابها؟ وكيف كانت تتجلى مواقفه إزاء المزيفين وأدعياء العلم؟ وكيف كان يستطيع أن يجاهر بالحق الصراح ويصرح بالحكم الشرعي؟
لقد كان هدف فقيدنا الغالي رحمه الله هذه الكلمة التي أثيرت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي:
«يعجبني الرجل إذا أسيم خطة ضيم أن يقول لا بملء فيه» كما كان يردد قولة الإمام الزمخشري: «الكريم إذا سيم الضيم أبى» . وهكذا فقد كان الفقيد يؤمن بضرورة رد الأمور إلى نصابها إذا ما قلبت الأوضاع، وكان يرجع إذا كان الأمر يتعلق بقضية علمية سببها علماء السوء عن قصد أو عن غير قصد إلى كتبه ومراجعه فينكب على دراسة الموضوع ويكتب ما تيسر له فيه حتى إذا ما استوعب المسألة ووضع لها الحق واليقين من الشك والارتياب اغتنم أول فرصة يتصل فيها بإخوانه من العلماء والطلبة