ويلم بالنازلة من جميع الوجوه ويمعن النظر في الملف حتى إذا ما أصبح على علم بجميع العناصر تروى وتدبر وتلكا وتفكر وإذا ما بدا له قبس من الضياء تمسك به واستل بقية خيوطه حتى يتضح له الأمر ويطهر له السر فيمسك بقلمه ويكتب نص الحكم أو التعليق عليه أو القول الفصل فيه.
وكم كان رضي الله عنه في هذه الأثناء يتعرض إلى نوع كبير من المضايقات من بعض الأفراد أو الهيئات فلا يتردد في ردها كما لا يحار في إيقاف سبلها. وكم كان يتدرس بجانبه بعض الأفراد قصد المساعدة والإرشاد ليحاولوا التأثير عليه. ولكنه كان كالطود الأشم لا يتزعزع عن مكانه ولا يتضعضع في موقفه. وأنى لهؤلاء أن يؤثروا عليه وهو القاضي الذي لا يخضع إلا لضميره ولا يحكم إلا بعقله ولا يتأثر إلا بما تتفق عنه ذهنيته ولا يعمل إلا بما يصل إليه اجتهاده من حلول وما يتوفق إليه من أحكام وهو يعبر بالنوازل السبيل. وهيهات أن تنزع من المرء الذي لا يحكم إلا بالعقل والنص أي شيء تريده عن طريق الإغراء والتأثير.
ومن جملة ما يستوقف المتتبع لشخصية هذا الرجل العظيم سلوكه في هذه الحياة لا بالنسبة لعائلته ولا بالنسبة لأصدقائه ولا بالنسبة للمجتمع.
فقد كان الفقيد الجليل غريبا في هذا السلوك إذا ما اعتبرنا مكانته الاجتماعية ومقامه العلمي والمنصب السامي الذي كان يحتله في ميدان القضاء.