ومعرفة والمحشو بيانا وعرفانا تداركهم وفتح قلوبهم للعمل والتقوى بعد ما فتح أذهانهم وفتق مداركهم وتعهدهم بالفرس والتلقيح والري كما يتعهد البستاني حقله وبستانه.
وتصدى فقيدنا للوظائف القضائية الكبرى فكان أمثل قاض في عهد الاستقلال إذ استطاع أن يظهر تفانيا عجيبا في تحمل المسؤوليات وتقلد التبعات، فلم تستطيع أن تتسرب لا إلى روحه رشوة بل ظل وفيا للشروط المتطلبة في القضاء من عدل ونزاهة واستقامة حتى لا تؤثر في نفسه العوامل المادية فتجرفه في تيارها الذي لا يبقى حرمة لأحد ولا يذر تقديرا لأي شخص.
ولقد كان لي شرف القرب منه في هذه الفترة الحاسمة من حياته، وقد كنت أشاهده يتزوى ويضطرب ويزور وينقلب كلما حال بينه وبين معرفة الحقيقة في إحدى النوازل حائل، وكنت أراه في هذه الحالة النفسية العصبية يجمع قواه ويصبر ويصابر ويقاوم إلى النهاية حتى لا يكون في حكمه جائرا أو في قراراه ظالما قاسيا وكيف لا تكون هذه الحالة وهو الذي يدرك قول الله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) .
وكان الفقيد إذا وجد نفسه أمام مشكلة شائكة وكثيرا ما كانت تحدث هذه المشاكل الشديدة الحدة في بيوتات الرباط - يأخذ مراجعه الأساسية ويضيف إليها مراجع جديدة يدل اختياره لها على اتساع أفق مطالعته حيث كانت الأحكام التي يصدرها رضي الله عنه طريفة من هذا النوع