يَخُصُّ العبير والكِبَاءَ المُقَتَّرَا
ولعل المؤلف يشير هنا إلى تلك الحفنة من المقاومين الذين استرخصوا دماءهم في سبيل الله، وضحوا بأرواحهم من أجل أن تحيى الأمة. فما وهنوا وما استكانوا، لأنهم كانوا متعزين بدينهم الذي يدفع رجاله إلى التضحية والفداء دون تردد. وكان هذا الاعتزاز هو أفتك الأسلحة التي واجهوا به أعداءهم، فصبروا الصبر العجيب، كما سيأتي.
بعد هذا التعريف الموجز، نقول إن مسلسل التغلغل الفرنسي في الأطلس المتوسط انطلق من منظور غير المنظور الذي انطلق منه في السهول. فإذا كان الهدف من احتلال السهول هو تحويلها إلى مرتع مريح للرأسمالية الفرنسية، فإن هدف غزو الأطلس المتوسط (سنة 1914) كان من أجل احتواء الأمازيغ سياسيًا ودينيًا وثقافيًا في مرحلة أولى لاحتواء الأجزاء الأخرى من الأمة لتكتمل السيطرة على المغرب.
فما أن وصلت الفيالق الفرنسية إلى سفوح الجبال سنة 1914 م وهاجمت القبائل الأمازيغية الأولى (بني مطير، بني مكَيلد، زيان ... ) حتى أخذ الجنرال هنريس ( Henrys) ، قائد العمليات العسكرية في الأطلس المتوسط، يتحدث في تقاريره للمقيم العام عن» سياسة تصون عالم البربر « ( [1] ) و» تحافظ على أعرافهم « ( [2] ) ، وتدعم» عزلتهم التقليدية «. ماذا كان يريد الجنرال الفرنسي أن يقوله عبر هذه الكلمات؟
1 ـ إن» الأصالة «التي وردت في كلام هنريس لم تكن تعني سوى محاولة سلخ القبائل الناطقة بالأمازيغية عن الثقافة والحضارة الإسلامية