وكما في عهود العباسيين وأمويي الأندلس وغيرهم، فإن جمعا غفيرا من الكتاب المترسلين من هذا الطراز، قد ترسبت لهم في مصادر التراث الأدبي، أصداء واسعة، أولا، بالنظر للقيمة البلاغية ـ بحسب الموازين التقييم التقليدي ـ لما حبروه من رسائل، وما نظموه في خلالها من عقود الفظ وأسماطه، وثانيا، لما تنم عنه المدونات التي خلفوها، ومن مقاصد قد يستشف منها شيء ما، عن بعض الملابسات الدقيقة للظرف التاريخي، فكرية ونفسية وخلافها، وما تعكسه اللحظات المتحدث عنها من رؤى للمعنيين تاريخيا بالموضوع، مما لا تدقق في الإخبار عنه، الروايات التاريخية العادية؛ ثم إن مثل هذه النصوص الأدبية ـ وهذا من بين دواعي أهميتها أيضا في التحليل والاستجلاء العلمي ـ قد تفرز من خلالها ثناياها ـ ما يفيد ـ ربما في استخلاص لمحات ما عن شخصية كاتب النص نفسه. واستطلاع بعض مكونات عقليته الأدبية، مما يجوز أن يستعان به ـ في حالة أو أخرى ـ بصدد استبانة جوانب معينة من الصورة التي تعرضها علينا ترجمته.
وقد كان لنا ـ في موضوع سابق، نشر بهذه المجلة، لقاء مع أحد من أعلام المترسلين، ممن ولوا منصب الكتابة الرسمية في العصر المرابطي، وهو أبو عبد الله محمد أبي الخصال الذي عمل في خدمة علي بن يوسف تاشفين ككاتب له، وصاغ في نطاق المهمة التي اضطلع بها في بلاطهـ رسائل الحقبة، ومما ترى من خلاله نماذج تعبيرية جميلة من حيث ألفاظها المنتقاة، ومقاطعها المرصوفة، وقوالبها حسنة السبك والتنضيد على مناخ شتى في ذلك، ونعرض