إن الاختيارات تدل على اقدر أصحابها ومهوى أفئدتهم و عقولهم، ما في ذلك شك، إلا أن هناك ما هو أقوى دلالة على ذوي النفوس الكبيرة منهم، و هو (أزمة الغاية) إن صح التعبير ذلك انهم يطلبون أشياء بعيدة وأشياء أبعد من العيوق كما يقول العرب، فيدركون منها ما يقف أمامه ذوو النفوس العادية مشدوهين، و هي في الواقع دون ما يطلب أولئك الكبار: كبار الهمم و النفوس، لأن الغايات بالقياس إليهم إنما هي مراحل يقطعونها ثم لا يقفون لدى واحدة، فكل غاية بداية أخرى لدى هؤلاء الناس، ثم ينتهون و لا تنتهي غاياتهم، و ينقضون و لا يقضون ما يشتهون، في حين أن سواهم ينال ليلا يحسبه كثيرا فيرضى، و يكون في بداية يخالها فيستريح.
و لعل اصدق شعر وأقدس حكمة عبرا عن هذه الفكرة قول أبى لطيب:
و إذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
هذا ما جال في خاطري و أنا استعرض في مخيلتي حياة الأستاذ المختار و المراحل التي مر بها حتى المرحلة التي انقطع فيها لتدوين التاريخ و كتابة المذكرات، و هي المرحلة الفاصلة في حياته، و كان من الصعب عليه أن ينقطع أيامئذ إلى ما نقطع إليه من بعث تراث مجيد، و إحياء تاريخ إقليم سحب عليه الزمان أذيال النسيان، كان من الصعب عليه، لأنه غارق في شو اغل الدرس و المشاركة في تهييئ الشباب لأخذ زمام المبادرة و تسجيل الملحمة الوطنية الكبرى، و لكن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، و من الأسباب ما يسر، و منها ما يؤلم، و من الأسباب التي هيئت له - على ما في ظاهرها من خشونة - نعمة كبرى مزدوجة، و هي أسباب النفي، فيها نعمة للإقليم الذي أحياه، و نعمة للأستاذ نفسه، لأنه وجد نفسه