مُلاحظات أولية
أي إحساس سَينتابُ فقيهًا ورعًا بدويًا من بادية درعَة في أقصى السّوس الأقصى، على مَرمَى حجَر من فيافي الصحراء الكبرى، وهو يتلقى أمر القدوم على السلطان السَّعدي أحمد المنصور الذهبي بالورُود عليه وهو في فاس من حيث سينطلق رأسًا إلى استنبول مُحمَّلًا بهدية ورسالة إلى السلطان العثماني مُراد الثالث؟ أية رهبة ممزوجة بالفخار سَتعبُر مَسام علي بن محمد التمكَروتي، وهو يتأهبُ للأمر العظيم وهو الذي لم يُغادر البتَّة مسقط رأسه ومَرعَى طفولته بلدة تمكَروت النائية النائمة في وهَادِ دَرعَة؟ أية أفكارٍ ستعبُر ذهنه البدوي وهو مقبل على ركوب البحر وأهواله لشهورٍ وشهورٍ، وهو الذي لم تقع عيناه يومًا على مَدٍّ أو جَزرٍ، ولا لمسَتْ يداه مياه البحر المالحة؟ أي شعور سَيُزَوبعُ مُخيلة الفقيه المأخوذ بسحر البلاغة المسكوكَة والقوالب اللغوية الجاهزة المأخوذة من ذاكرة حافظة؟
لسنا في حاجة إلى القول إن الأسرة السعدية الحاكمة يومئذٍ قدمَت من نفس بلاد التمكَروتي، أعني درعَة الكبرى. ولسنا في حاجة إلى القول إن علي بن محمد التمكَروتي سليل أسرة لها الباع الطّويل في الفقه والتدريس في المنطقة، فيكفي أن نشير إلى والده الشيخ محمد البكري، وإلى أخيه محمد بن محمد الذي أُرسل بدوره، في وقتٍ سابق، مبعوثًا إلى القسطنطينية كما يذكرُ نَصّ الرحلة نفسُه.
كلّ ذلك مجرّد تحصيلِ حاصلٍ. فميثاق القراءة يقتضي، إن نحن توخينا مُلامسَة"النفحة المسكيّة"أن نتجرد ما أمكنَ من معلومات قبلية قد تُوجه قراءتَنا وفقَ مشيئتها، وقد تشغل البال بحيثياتٍ قد تجعل العينَ تنام عن