الشيخ، حيث رأى في منامه كأنه على جناح طائر عظيم يطير به في سمت القبلة يتيامن، ثم يشرق ثم يذهب ناحية الجنوب، ثم يبعد في الطيران ناحية الشرق وينزل في أرض مظلمة خضراء ويتركه هناك:"وقلت في نفسي: إن كاشفني الشيخ برؤياي فهو كما يحكى عنه. ( .. ) فلما غدوت لصلاة الصبح ( .. ) دعاني وكاشفني برؤياي ( .. ) ، فقال سوف تحج وتزور النبي (ص) وتجول بلاد اليمن والعراق وبلاد الترك. وتبقى بها مدة طويلة، وستلقى بها دُلْشاد الهندي ويخلصك من شدة تقع فيها". هكذا يتخلص ابن بطوطة من غواية التشكيك -"إن كاشفني الشيخ برؤياي فهو كما يحكى عنه"- ليحمل متلقيه، الذي يمكن أن يتسرب إليه الارتياب في المحكي الرحلي، على الإخلاص الخالص، والتسليم التام بأقاويل تنتزع لنفسها هيبة القداسة ورهبتها.
2 ــ دائرة الحس وشعْرَنة الخطاب
حين تتسع دائرة الحس، ويبلغ الانبهار مداه، يلوذ الخطاب بشعرية اليد الأولى (يد أو لسان ابن بطوطة) أو يد ثانية (يد ابن جزي أو غيره من الأدباء) مشهود لها بالبراعة في البيان، لتوسيع دائرة الخيال الذي أضحى أعجز وأضيق من أن يحوي الفضاء. وهذا ما نتبينه مثلا من خلال وصف ابن بطوطة للقاهرة، حيث يقول:"ثم وصلت إلى مدينة مصر هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة، المتناهية في كثرة العمارة، المتناهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر. وبها ما شئت من عالم"